المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التسلية والترفيه حتي الموت


reheema
22-10-2008, 04:43 AM
التسلية والترفيه حتي الموت
بقلم: د‏.‏ حمدي حسن أبوالعينين


لم تكن الضحية شديدة الثراء‏.‏ ولم تكن ابنة لشخصية أو ذات نفوذ‏.‏ كانت امرأة في السادسة والثلاثين تسعي من أجل توفير سبل الحياة الكريمة لنفسها ولطفل رحل والده‏.‏ كان اسمها كارين جريجوري‏.‏ وفي الليلة التي قتلت فيها‏..‏ اصبحت مجرد رقم في إحصائية اعتاد الناس أن يشيروا إليها علي أنها حادثة قتل بسيطة‏...‏

تلك كانت مقدمة لعمل صحفي من عشرة أجزاء نشر تحت عنوان صرخة في الليل في منتصف ثمانينيات القرن الماضي في إحدي الصحف الأمريكية‏.‏ حينما نشر الجزء الأول من التغطية الاخبارية وقع ما لم تعتده الصحف كثيرا‏.‏ كان القراء يتدافعون نحو سيارات التوزيع كل يوم للحصول علي نسخة من الصحيفة لتحكي لهم الجزء التالي من القصة التي سيطرت علي وجدان الجميع‏.‏ إنها حادثة اغتيال مثل مئات أخري ولكن كاتبها قرر أن يغوص في عمق دراما الحياة الإنسانية‏.‏

ولم يتوقف النجاح عند حدود النشر في صحيفته ولكنه جمعها في كتاب حمل عنوان صرخات بلا صدي ليحقق نجاحا أدبيا وماديا آخر‏.‏ في عام‏1989‏ فاز توم فرنش بجائزة بوليتزر وهي من أرفع جوائز الصحف في الولايات المتحدة‏.‏ بقي أن نعرف ان وراء ذلك النجاح جهدا هائلا في جمع المعلومات‏:‏ مقابلات مع‏50‏ شخصية ومراجعة ستة آلاف صفحة من وثائق المحاكمة وبحث عميق وراء كل معلومة وكل شخصية ورد اسمها في التحقيق‏.‏ وشهور طويلة من العمل‏.‏ في كل مرة تطالع مبررات منح جائزة رفيعة لعمل صحفي تجد اهتماما كبيرا بالمعلومات ووسائل جمعها وتدقيقها‏.‏

في بلادنا كم من الوقت يلزم الصحفيين لإنهاء موضوع صحفي مهما تكن خطورته أو أهميته؟ وكم معلومة عرض لها هذا العمل؟ لست أنتظر إجابة من أحد ولكن نظرة سريعة علي صحيفة أو بضع دقائق أمام أي قناة تليفزيونية عربية كفيلة بالإجابة‏.‏ فيضان هائل من الآراء والتعليقات وقليل جدا من المعلومات‏.‏ فما أيسر الرأي وما أصعب المعلومة في الخطاب الإعلامي العربي‏.‏ فالرأي لا يحتاج إعدادا والمعلومة تحتاج بحثا والبحث وليد جهد ومهارة‏.‏ والنتيجة حالة من التشويش تسيطر علي الجميع صحفيين وقراء‏,‏ متحدثين ومشاهدين‏.‏ فالواقع اصبح اثنين‏:‏ واقع تقول به الحقائق وهو غائب أو مغيب‏,‏ وواقع تقول به الآراء وهو بعيد عن الواقع الحقيقي بحكم غياب المعلومات التي هي اساس الرأي‏.‏

يقول الإعلاميون إن الحكومات العربية مسئولة عن غياب المعلومة بالحظر والمنع‏.‏ فليس لدينا دولة عربية واحدة لديها قانون للمعلومات‏.‏ ولكن الحقيقة ابعد من ذلك فالحكومات تمارس الحظر بشأن بعض المعلومات‏,‏ ولكن الصحفيين اكثر اهتماما بالرأي وأقل استخداما للمتاح من المعلومات‏.‏ فالنجومية في عالم الصحافة تصنعها مقالات الرأي‏.‏ فلم نعرف نجما صحفيا واحدا كانت صناعته التقارير أو التحليلات الاخبارية اعتاد الجمهور العربي ذلك فلم يعد يبحث عن المعلومة في المادة الصحفية ولم تعد المعلومات وسيلته للفهم والوعي بما تجري به الأحداث‏.‏

غياب المعلومة في النص الإعلامي العربي جعل مهمة إصدار المزيد من الصحف سهلة وميسورة إلي حد بعيد‏.‏ تراجعت الصحافة الإخبارية الجادة لحساب صحافة الرأي المثيرة وهي صناعة رخيصة التكلفة متواضعة الحرفية‏.‏ انتشرت في طول العالم العربي وعرضه صحف غزل البنات حيث قطعة صغيرة من السكر يمكن ان تتحول إلي كومة كبيرة من الحلوي الهشة‏.‏ كمية قليلة جدا من المعلومات كافية لإصدار صحيفة‏.‏ هذه الظاهرة يسميها الأمريكيون صحافة الكريمة المخفوقة‏,‏

ولكنها تقف علي مسافة بعيدة من الصحف الإخبارية الجادة من حيث التأثير الحقيقي في ال قراء‏.‏ وحين ترتكز الآراء علي آراء وليس علي حقائق أو معلومات مدققة‏,‏ فإن النتيجة الطبيعية هي تضييق مساحات الإجماع الوطني اللازم لتحقيق تنمية حقيقية‏.‏ فليست لدينا قضية واحدة ضاقت حولها مساحات الاختلاف والتناقضات‏.‏ الحرية وأزمة السكان والأداء الاقتصادي حتي أولويات العمل الوطني العام كلها مساحات للتناقضات في الآراء والمفاهيم بسبب غياب المعلومات اللازمة للمعالجة الموضوعية‏.‏

من حق الصحفيين ان يطالبوا الحكومة بالكشف عن المعلومات والشفافية والإفصاح‏.‏ ولكن ذلك لن يحقق الهدف ما لم يتم تطوير مهارات توظيف المتاح من المعلومات‏.‏ وبدون تلك المهارات سوف يقع الصحفيون ضحية الفيضان المعلوماتي المربك‏.‏ حكومات ديموقراطية في العالم تلجأ أحيانا إلي ضخ فيضان من المعلومات حول قضية من القضايا بهدف تمييعها ووضع الصحافة في ورطة معلوماتية‏.‏

أزمة الإعلام في بلادنا مع المعلومة تطرح قضية تدفق المعلومات علي نطاق أوسع في العالم العربي‏.‏ في سنوات الستينيات طرح كارل دويتش مقولته إن المعرفة قوة ولابد أن تصبح مصادر المعلومات المتقدمة متاحة عالميا إذا ما أردنا للمجتمعات الديمقراطية أن تبقي وتستمر ولكن التدفق الحر للمعلومات واجه مشكلتين‏:‏ الأولي كيفية الوصول إلي المعلومات‏.‏ فالمغزي الحقيقي للمعلومات في الوصول إليها‏.‏ فالحصول علي المعلومات لا يزال مكلفا ويتطلب مهارات ليست متوافرة‏.‏ المشكلة الثانية‏:‏ هي ان الناس حقيقة لا يعرفون ماذا يفعلون بالمعلومات إن هي أصبحت متاحة‏.‏

نحن في العالم العربي نواجه المشكلتين معا‏.‏ والنتيجة أن تدفق المعلومات في بلادنا اصبح حقيقة تكنولوجية وليس حقيقة ثقافية‏.‏ نعم لدينا تكنولوجيا متطورة وتواصل هائل مع قواعد المعلومات والبيانات في العالم ولكن الوصول إلي المعلومات المطلوبة يتطلب قدرة ومهارة أما توظيفها فتلك مشكلة أخري فلا البحث العلمي ولا العمل الإعلامي ولا غيرهما من القطاعات استطاع أن يفيد كثيرا من تلك المعلومات المتاحة‏.‏ وعلي مستوي الأفراد فالناس حقيقة لا يعرفون ماذا يفعلون بالمعلومات التي جاء بها هذا العصر‏.‏

الناتج النهائي لغياب المعلومات الحقيقية‏,‏ وصراع الآراء هو نشر حالة من الاغتراب بين القطاعات الأقل وعيا وتعليما وهي الأكبر فيصبح اللجوء إلي المواد الترفيهية هو الملاذ الآمن في التعامل مع وسائل الإعلام التي انتهزت الفرصة فأغرقت جمهورها في فيضان من البرامج التليفزيونية والكتابات الترفيهية والمسلية وفي هذا الفيضان ينشأ اتجاه لتسفيه المعلومات والاستخفاف بها حين تأخذ شكل اسئلة مثل اللاعب الذي سجل هدفا في مرمي فريق في كرة القدم فخرج من تصفيات كأس العالم قبل الأخيرة‏,‏ أو عدد زيجات مطربة مشهورة هذا الاستخدام الترفيهي المكثف لوسائل الإعلام يؤدي إلي تخدير الإحساس بالواقع بدلا من محاولة فهمه مما يوفر في النهاية حالة من الركود الذهني العام في المجتمع‏.‏

وحين نقرر طواعية ـ صحفيين وقراء ـ اهمال المعلومات وإهمال توظيفها في الوقت الراهن‏,‏ فقد حكمنا علي أنفسنا بالتسلية والترفيه حتي الموت‏.‏

عائشة
22-10-2008, 05:50 PM
الأخ الفاضل :إرحيمه

في تصوري سبب المشكلة كلها سببه نوعية التعليم الذي يتلقاه المواطن العربي..ولو ركزنا في الدول
المتقدمة علمياً عندما يسمع المواطن أي معلومة ما من شخص لايتلقفها ببساطة و إنما يتجه للمكتبة ليقرأ عن الموضوع و على أساس ماقرأ يكون رأيه..بينما في الدول التي تعليمها ضعيف تجد أن الخرافة والأراء غير العلمية تنتشر كثيراً بين الناس وحتى المتعلمين منهم وسبب ذلك هو:
أسلوب التعليم السائد في العالم العربي يعود الطالب على الترديد والحفظ، والخضوع للسلطة، ولا يساعده على البحث والإبداع.

لا زالت الخرافة والتقاليد تتحكم في سلوك ونظرة الإنسان العربي المتعلم والقارئ وحتى الحائز على شهادات جامعية مختلفة. وبالتالي نلمس دائماً نوعاً من الازدواجية في شخصية العربي بين دور التعليم من جهة ودور الخرافة من جهة أخرى.

ولم يتحد التعليم بالشخصية العربية بعد، بل ظل في الكثير من الأحوال قشرة خارجية تنهار عند الأزمات لتعود الشخصية إلى نظرتها الخرافية. ولا شك أن العلة تكمن في نوعية التعليم وآليته في الوطن العربي ومدى تأثيره على تغيير الذهنية، فالمعرفة والحقائق لدى كثير من المثقفين والباحثين في الوطن العربي، فضلاً عن القارئ العادي، هي ما يقوله آخر حديث استمعوا له أو كتاب قرءوه، مما يدل على تقبل العقل العربي للمشاهد الفكرية بشكل مشابه لتقبل الرضيع للمشاهد الحسية البصرية دون إدراك اللاحق أو السابق منها.

إن الاستعداد للتلقي تتعلمه الذات العربية سواء عن طريق البيت أم المدرسة، وهو الأسلوب الوحيد في التعليم والتربية. والاهم ان نوعية ما يلقن او يدرس لم يعمل على تغيير عقلية المواطن العربي، ولم يحرره من عناصر التواكل والتلقي والخنوع.
شكراً لك على هذا الموضوع المميز ..لقد قرأته أكثر من مرة. مع أن الذي داخل الاقتباس نقلته من صفاء المعلمين.

reheema
23-10-2008, 07:51 PM
اشكر ردك الكريم اختى الفاضلة عائشة و بالفعل موضوع قيم قرأته ايضا اكثر من مرة فقد وضح لنا لماذا تختلف صحافة الغرب عن صحافتنا فالاستسهال والفبركة والنقل بدون تدقيق او عناية افقد الجمهور الرغبة فى مطالعة الصحف والمجلات العربية وعن نفسى اجدنى كل يوم اقف حائرا امام بائع الصحف فالعناوين هى هى والمصدر واحد والتشابه افقد كل صحيفة خصوصياتها التى كانت تميزها واجدنى مضطر تحت وطئة الكسوف لأخذ اى جريدة بعد طول الوقوف
اما عن التعليم فيكفى اننا اقل بلاد العالم فى ساعات الدراسة واكثرها بعدا عن المنهج العلمى ونجحنا فى جعل المدرسة مكان يدعو للنفور وسجن للأبداع وكم من طالب مبدع اضطهد لإبداعة فالمطلوب قوالب متراصة متشابهة
نتج عن ذلك الشعور بالصدمة عند مطالعة جريد قيمة مثل لومند دبلوماتيك التى سأنشر بعض من ابدعاتها هنا بإذن الله
والتى احرص على اقتناء نسختها العربية التى توزع مع جريدة الاخبار المصرية اول كل جمعة فى الشهر واظل اقرأها طوال الشهر واعاود قراءتها اكثر من مرة .