د.مصطفى بديوي
20-10-2008, 03:12 AM
كتاب : (جاذبية الاسلام)
تأليف : لمكسيم رودنسون
عرض : غطاس أبو عيطة
صدر هذا الكتاب مؤخراً عن دار التنوير بدمشق (مركز الإنماء الحضاري), وكان قد نقله إلى العربية المفكر الراحل إلياس مرقص . ويحتوي الكتاب على دراستين وضعهما المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون, حيث نشرت الأولى والأهم, ضمن مجلَّد بريطاني طبع عام 1974 حول (ميراث الحضارة الإسلامية في إطار الثقافة الكونية), والدراسة هي بعنوان : (مراحل النظر الغربي إلى العالم الإسلامي).
وما يحاول رودنسون إظهاره في هذه الدراسة , هو أن اهتمام العقل الغربي بعالم الإسلام,قد جاء في الأساس لحاجة داخلية إلى هذا العالم, وذلك في سياق المعارك الفكرية والساسية التي عاشها الغرب الأوروبي بين القديم والجديد, بحيث بات الانجذاب للعالم الإسلامي في عصر الأنوار الذي مهد للثورة الفرنسية, عنواناً لمجابهة سلطة الكنيسة والحكم الملكي المطلق, مثلما كان هذا الانجذاب , عنواناً للمدافعين عن فكر النهضة في مواجهة الفكر المنغلق الذي أغرق العصور الوسطى في أوروبا في الجهل والظلام.
وإذ يبين رودنسون على امتداد دراسته, بأن النظرة إلى عالم الإسلام قد تمحورت حول صورتين متعارضتين, هما صورة الحماس لهذا العالم, التي تخالطها النظرة الرومانسية التي تضفي سحراً على الواقع .. والصورة العدائية التي ترفض هذا العالم بسبب عدائها للتغيير في مجتمعاتها مغلفةً هذا العداء بغلاف ديني عقائدي, فهو يشير كيف سادت النظرة الاستعلائية إلى عالم الإسلام, مع ظهور الحركة الاستعمارية منذ مطلع القرن التاسع عشر, والتي ترافقت مع سيادة ما سمي بالثقافة المركزية الأوروبية, التي قسمت العالم إلى معسكرين, هما المتحضر الغربي, والمتخلف الشرقي الذي يقعده إرثه الحضاري عن بلوغ الحضارة الإنسانية الوحيدة ممثلة بالحضارة الغربية, لكن الدراسة بصورة عامة, تبرز مدى تأثير الحضارة العربية الإسلامية على الغرب سواء في جانب المعارف العلمية أو على صعيد الفكر والفلسفة واللاهوت.
ونود الإشارة هنا, بأن أي تلخيص لما تورده الدراسة عن مراحل اهتمام الغرب بالإسلام وبالعالم الإسلامي (وبالشرق عامة), لا يمكنه مهما بلغ من الدقة , أن يعطي رؤية واضحة حول أهمية هذه الدراسة, التي حوت ضمن 52 صفحة من القطع المتوسط, كل ما تراكم لدى هذا الباحث من معارف غنيَّة تتعلق بموضوع دراسته, إذ أن أي تلخيص,يمكن أن يغلِّب صورة على حساب الصورة الأخرى فيما يتعلق بنظرة الغرب إلى الإسلام, وما أراده الباحث, هو أن يؤكد على تجاور الصورتين وتجادلهما وتداخلهما في كل مرحلة من مراحل اهتمام الغرب بالإسلام , ليأتي عصر الاستعمار والاستشراق المرتبط به, تكثيفاً للصورة السلبية التي تشكلت على مدى المراحل التي سبقتها, حيث أطلق على الدولة العثمانية في إطار الاهتمام بالمسألة الشرقية اسم الرجل المريض الذي لا شفاء له بسبب موروثه الشرقي , والإسلامي خاصةً وذلك ضمن نظرة عنصرية تجاه الإسلام والمسلمين.
مراحل الاهتمام الغربي بالإسلام :
يرصد رودنسون في دراسته ستة مراحل متداخلة من اهتمام الغرب بالاسلام (وبالشرق عامة),يمكن عرضها على النحو التالي :
1- مرحلة الفتوحات العربية الاسلامية :
لم يكوِّن الغرب صورة خاصة به عن الإسلام والمسلمين إبان هذه المرحلة التي شهدت الفتوحات الإسلامية التي اجتاحت بلاداً كانت خاضعة للإمبراطورية الرومانية الشرقية, والتي بلغت إسبانيا شمال المتوسط, وطرقت أبواب "بلاد الغال" وأطراف شبه الجزيرة الايطالية. فكان أن استعار المصطلح الذي أنتجته الإمبراطورية الرومانية عن الشعوب القابعة خارج حدودها باعتبارهم برابرة , وقد أطلق الغرب على (البرابرة) العرب المسلمين اسم السارسيين أو الأجاريين, نسبة لسارة ولهاجر (زوج وخادم النبي إبراهيم وفق منظورهم). غير أن رحالة وحجاجاً أوروبيين, نقلوا على نطاق ضيق , الأدبيات الهجائية التي صاغها رجال دين منعزلين من أبناء الشرق يهود ومسيحيين ضد الإسلام, والتي أريد لها أن تطلق حركات نضالية ضد السيطرة الإسلامية , وأن تتصدى لحركة الدخول في الإسلام التي انتشرت في المنطقة.
2 - مرحلة الحروب الصليبية :
مع انحسار زخم الفتوحات الإسلامية باتجاه أوروبا في القرن الحادي عشر, وبدء ما عرف بحرب الاسترداد في إسبانيا وإيطاليا الجنوبية وصقلية, أخذت أوروبا تتعبأ ضد"العدو الإسلامي", وأخذت تنتشر في هذا المناخ, الإيديولوجيا الإمبراطورية الكارولنجية المتمركزة في البر الداخلي الأوروبي, تنافسها على العداء للإسلام , الإيديولوجيا البابوية المتمركزة على طول شمال المتوسط, والإيديولوجيتين وجدتا في عملية التعبئة ضد الإسلام, وفي توجيه الغرب نحو حروب خارجية تحت دعوى استرداد الأماكن المقدسة المسيحية من المسلمين, أداة لتوحيد المسيحيين الغربيين تحت سلطة الإمبراطور والبابا, وعبر هاتين الإيديولوجيتين تشكلت صورة واحدة عن العدو المشترك, استبطنت مجموع الأدبيات الهجائية السجالية التي صاغها المعادون للحكم الإسلامي في المشرق , وفي اسبانيا وجنوب إيطاليا.
وإنه رغم الصورة المصمتة العدائية والهجائية التي سادت عن العالم الإسلامي , فقد دخل ملوك وأمراء الغرب, في تحالفات عسكرية وسياسية مع ملوك وحكام محليين مسلمين ضد أعداء مشتركين من المعسكرين. لكنه بمعزل عن هذا التداخل السياسي الدنيوي, فقد عمت الأوساط الشعبية تحت تأثر التعبئة المعادية, صورة خرافية عن الإسلام والعالم الإسلامي, تعتبر الإسلام بمثابة ديانة وثنية,وتنسب للمسلمين كل الصفات السلبية غير الإنسانية. غير أن التماس المباشر مع العالم الإسلامي الذي ولدته تلك الحروب, في المشرق والمغرب العربيين, وفي أجزاء من أوروبا, أوجد ميداناً آخر من التفاعل بين العالميين, إذ انتبه الغرب الفقير في العلوم وفي مصادر المعرفة, إلى الكنز الثمين الذي تختزنه الحضارة العربية الإسلامية , والذي انعكس على شؤون الحياة في ميادينها المختلفة, لتبدأ عن طريق ذلك, حركة النهل من هذا الكنز, حيث رعى العديد من الأمراء والملوك الغربيين, حركة ترجمة واسعة لأكداس المؤلفات الإسلامية, الموضوعة بالعربية, بما ترك تأثيراً بالغ الأهمية على تقدم الغرب باتجاه عصر النهضة. وبقيت العلوم والفلسفة والفقه المستقاة من المصادر الإسلامية , الشغل الشاغل للمعنيين بعملية التغيير في الغرب التي مرت بمراحل مختلفة, إلى أن شعر الغرب في القرن التاسع عشر, بأنه بات يمثل مركز الحضارة الإنسانية, متعالياً على حضارات الشعوب الأخرى وعلى رأسها الشعوب الإسلامية الشرقية, وذلك بعد أن بنى هذا الغرب حضارته استناداً إلى منجزات الحضارة العربية الإسلامية التي تمثلت ما خلفته حضارات المنطقة وفي مقدمتها الحضارة اليونانية.
وفي غمرة هذا التماس مع عالم الإسلام, انتبه الفارس المحارب الغربي إلى سمات فروسية في شخصية المحارب المسلم الشجاع المدافع عن حياضه, وتجمعت هذه السمات الإيجابية من الشجاعة والكرم والتسامح في الشخصية الأسطورية التي نسجت لصلاح الدين الأيوبي القائد المظفَّر الذي دحر الغزو الصليبي, وظهرت الملاحم الشعبية التي وضعها الشعراء الجوالون حول هذه الشخصية, وبذلك عرفت الأوساط الشعبية الغربية, صورة أخرى عن الإنسان المسلم غير الصورة التي عممتها الإيديولوجيا البابوية والإمبراطورية, وإن ترافق ذلك, مع نسبة صلاح الدين وغيره من الأبطال وحتى المفكرين المسلمين إلى المسيحية باعتبارها وحدها المجسِّد للقيم الإيجابية وفق اعتقادهم.
وإلى جانب هذا المصدر لصورة المسلم, دخلت صورة أخرى تتعلق بفهم كوني إنساني للديانات السماوية, مصدرها مؤلفات الفلاسفة والفقهاء المسلمين من أمثال ابن سينا وابن رشد,والذين أغنى فكرهم الديني, اللاهوت الضيق الذي عممته الكنيسة عن المسيحية خلال العصور الوسطى, وفي هذه المرحلة كما يقول رودنسون, باتت كلمة فيلسوف مرادفة لكلمة مسلم, ويمكن الإشارة هنا, إلى أن كل الأطراف المتصارعة عقائدياً بدوافع دنيوية, استندت إلى التراث الفلسفي والفقهي الإسلامي في الدفاع عن خياراتها العقائدية والفكرية, حيث غدا الفكر الإسلامي بمثابة مرجعية لمجموع المتجابهين, لكن هذا الإعجاب بالعلماء والفلاسفة والفقهاء المسلمين, لم يخلُ من الرؤية المعادية للإسلام التي بقيت قائمة في الوعي الغربي, حيث جرى اعتبار هؤلاء العلماء والفلاسفة والفقهاء – كما اعتبر صلاح الدين – بأنهم خارج الدائرة الإسلامية, ولذلك فقد أعفاهم دانتي من دخول جحيمه, الأمر الذي يكشف عن استمرار تداخل الصورتين المتناقضتين عن الإسلام والمسلمين, ودخول الإيديولوجيا على خط المعرفة الموضوعية.
ويتوقف الباحث بالنسبة لهذه المرحلة من التاريخ , إلى دور التجارة في تعميق التماس بين العالمين الغربي والإسلامي الشرقي, فقد بادرت المدن الإيطالية إلى التجارة مع الشرق المسلم, وكانت سباقة في دخول عصر النهضة, لكن الحركة التجارية لم تلبث أن اتسعت, واتسع معها التعرف على الواقع الغني لحياة الشعوب الإسلامية بعيداً عن الصورة النمطية الاختزالية والعدائية.
وهكذا فإنه نتيجة هذا التماس بين الجانبين, انحسرت كما يقول رودنسون , الرؤية السجالية الشرسة تجاه الإسلام وعالمه, وانتقلت الصورة وعلى نطاق واسع, من حالة الشيطنة المانوية التي انحدرت من العصور الوسطى ورافقت الحروب الصليبية, إلى حالة من القبول لهذا العالم الذي سبق الغرب إلى الحضارة المتمحورة حول الإسلام, ووصل الأمر بالإمبراطور فردريك الثاني(1194 – 1250), "المحب للإسلام, والذي يناقش بالعربية في الفلسفة والمنطق", أن أقام في مدينة إيطاليَّة , مستوطنة إسلامية أشاد فيها مسجداً,, استقدم لها العلماء والفلاسفة المسلمين من الشرق واسبانيا وغيرهما, لتكون مصدر إشعاع للحضارة الإسلامية الإنسانية في إمبراطوريته وفي الغرب عامة, ومعبراً لدخول أنماط الحياة الإسلامية التي تهذب من سلوك وعادات الغرب.
وفي مواجهة هذا الانجذاب نحو عالم الإسلام, جاء الحرم الذي أوقعه البابا غريغوار التاسع على هذا الإمبراطور, ليكشف عن موقف آخر إزاء الإسلام بقي قائماً في العقل الغربي.
ومع بدء الاجتياح المغولي في القرن الثالث عشر, احتل المغول مكان المسلمين صفة البربرية والهمجية, وباتت كلمة المغولي هي المرادفة للوثنية بدل المسلم. ونعلم هنا كيف أن المماليك هزموا المغول وأوقفوا تقدمهم في المحيط العرب الإسلامي, وأزالوا آخر حصون الصليبية في هذا المحيط لتدخل العلاقة بين العالمين مرحلة جديدة, هي مرحلة نهوض الإمبراطورية العثمانية الإسلامية.
3 – مرحلة الإمبراطورية العثمانية :
احتلال الإمبراطورية العثمانية للقسطنطينية وتقدمها نحو قلب أوروبا عبر البلقان, لم يولِّد لدى الغرب الأوروبي موقفاً عدائياً تجاه الإسلام بقدر ما ولد تحدياً عسكرياً خالطه الإعجاب بقدرات هذه الدولة وتقدمها في الفنون العسكرية, وانبهارٍ ببلاطها المترف وما أشادته من عمران أقامه الفنيون الذين استحضرتهم هذه الدولة من مختلف أرجاء الإمبراطورية.
وكما يقول رودنسون , فقد أصبح الإسلام جاراً في إطار الخريطة الأوروبية ولم يعد ذلك الآخر البعيد الذي تنسج حوله الأساطير الخرافية ضمن صورة مختزلة, وعليه فقد استمر الانجذاب الأوروبي نحو منجزات الحضارة العربية الإسلامية بعيداً عن نزعة العداء, وتواصل وضع الاجتماع الإسلامي الذي لا تكبِّله سلطة كهنوتية في مواجهة السلطة الكنسية الاستبدادية.
وفي مرحلة صعود هذه الإمبراطورية, تسابقت الأطراف المتصارعة على السلطة في الغرب , على التحالف معها وخطب ودها بمن في ذلك السلطة البابوية التي دخلت في نزاع مع الإمبراطور , وقد نقل السفراء الغربيون, صوراً زاهية عن البلاط العثماني المترف المشبع بالتقاليد الشرقية الإسلامية.
وما أن حل عصر الأنوار , حتى غدا الانبهار بالإسلام كدين, موضع إجماع المنوِّرين, فاعتبره روسو دين الفطرة الذي يعيد انسجام الإنسان مع الطبيعة, وأشاد فولتير بالرسالة التي حملها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) للإنسان في مواجهة قيود الكنيسة والحكم الملكي المطلق الذي يزعم بأنه يستمد شرعيته من الإرادة الإلهية, وأعاد مونتسكيو النظم الدكتاتورية في الشرق إلى العوامل الجغرافية وليس إلى الإسلام كدين.
وهكذا قدَّم المنوِّرون لعالم الإسلام صورة زاهية شمولية بعيدة عن المقاربة الموضوعية التاريخية وذلك في سياق تصديهم للنظم القائمة لديهم المدنية منها والكنسية.
4 – القرن الثامن عشر :
تقدمت في هذا القرن العلوم الطبيعية, واتسعت المعرفة بمنجزات الحضارة الإسلامية, غير أن صورة العالم الإسلامي أخضعت في هذا القرن لتلك العلوم باتجاه رؤية تخصصية بعيدة عن الشمولية السابقة ومتسمةٍ بالجمود النظري.وقد اعتبرت اللغة, ومن ثم العرق والدين,المحاور التي تنجدل من حولها الحضارات ومن ضمنها الحضارة الإسلامية, وجرى تقسيم الحضارات على أساس تلك المحاور أو القوالب العلموية الضيقة.
لكن خط المنورين الخارج على الرؤية الوضعية الضيقة استمر في النزعة الرومانسية التي طبعت الشعر في هذا القرن, فوضع غوتة في أواخر القرن, "نشيد محمد" الذي أشاد فيه بشخصية نبي الإسلام بعيداً عن البرغماتية التي طبعت أناشيد فولتير. ثم وضع غوتة (الديوان الشرقي –الغربي) الذي يعلن فيه انحيازه للحياة الشرقية الساحرة, وكذلك فعل بايرون في ولعه بحضارة اليونان التي نسبها إلى الشرق. وأسهم هذا الشعر , في مضاعفة الاهتمام العلمي بالحضارة العربية الإسلامية بكل منجزاتها وأنماط الحياة التي أقامتها.
وهنا يذكر رودنسون, الأثر الذي أحدثته ترجمات كتاب "ألف ليلة وليلة" إلى اللغات الأوروبية على صورة الشرق الإسلامي في الوعي الغربي,بل أثره البالغ العمق على الرواية الأوروبية.
5 - الحركة الاستعمارية تقلب الصورة :
ما أن أطل القرن التاسع عشر وما أطلقه من حركة استعمارية غربية, حتى تبدلت صورة الحضارات الأخرى وعلى رأسها الإسلامية في نظر الغرب ,حيث برزت فكرة مركزية الحضارة الأوروبية المسيحية الغربية في مواجهة الحضارات المتخلفة التي يقف الدين, واللغة, والعرق حائلاً بوجه تقدمها. وفي هذه الحقبة, برز دور الرسامين الذين أقاموا صورة بالغة الهمجية عن حياة المسلمين, فسادت الألوان الصارخة في رسوم هؤلاء التي تبرز الحياة الماجنة في القصور الإسلامية, حيث الجواري والخصيان, والنساء اللواتي يلقى بهن في البسفور, والرؤوس المقطوعة, والأسيرات المخضعات لشهوات الهمجيين, وهذا المناخ السادي المازوشي الذي جرى تصويره, أتى انعكاساً لتطلع البرجوازية المحدثة النعمة نحو الغرق في الشهوات المادية كما يشير رودنسون.
وفي هذه المرحلة , انطلقت الإرساليات التبشيرية نحو الشرق الإسلامي, وإذ فشلت في "هداية" المسلمين, فقد ردت ذلك إلى طبيعة الإسلام كدين الذي يقف عقبة بوجه الحضارة الإنسانية التي انحصرت لدى هؤلاء في الحضارة الغربية المسيحية, وأقام المبشرون جبهة واحدة للقوى التي تعيق رسالتهم التمدينية المسيحية, تضم المسلمين واليهود والماسونية والبروتستنتية. وغذَّى هذا العداء لعالم الإسلام , ظهور دعوة المفكرين للجامعة الإسلامية في مواجهة خطر الزحف الاستعماري وعلى رأسها دعوة الأفغاني, وكذلك ظهور مستغربين شرقيين نادوا إلى التخلص من أنماط الحياة الشرقية والإسلامية كسبيل لتجاوز واقع التأخر في المجتمعات الإسلامية. وقد أغفل الباحثون والأدباء في هذه المرحلة, كل ما هو إيجابي في حياة الشرق الإسلامي, وركزوا على جوانب سلبية نسبوها للإسلام كدين.
وهكذا استعاد المستشرقون كل الأدبيات السجالية والهجائية ضد الإسلام والمسلمين, معتبرين حركات مقاومة الاستعمار, على أنها حركات انغلاقية ومعادية للتمدن والتقدم وتقوم على رفض الآخر.6 - أفول المركزية الأوروبية :
مع دخول القرن العشرين واندلاع الحرب العالمية الأولى بما خلفته من دمار واسع, تزعزعت النظرية عن مركزية الحضارة الأوروبية, فوضع شبنجلر مجلده عن أفول الحضارة الغربية. لكن ظهور الشيوعية كعدو للعالم الرأسمالي الغربي, ووقوف الإسلام سداً منيعاً بوجه المد الشيوعي, جرت في الوعي الكنسي الغربي الكاثوليكي عملية مصالحة مع الإسلام, تجلت في مقررات المجلس المسكوني المنعقد عام 1965, التي أشادت بالديانة الإسلامية التي تمجِّد قدرة الخالق, وتعلي من مكانة يسوع ومريم, وتؤمن بجميع الأنبياء والرسل. وهنا توقف رودنسون عند المحاولة الفكرية الهامة التي قادها المفكر التتري إسماعيل علييف ضمن الإمبراطورية السوفيتية, والتي سعت إلى المصالحة بين الماركسية والإسلام والتي جرى وأدها من جانب القيادة السوفيتية التي عممت عداءَها للدور الذي لعبته الكنيسة في العهد القيصري على كل الديانات بما فيها الديانة الإسلامية التي لم تشارك أساساً في دعم سلطة القيصر.
ونضيف هنا استكمالاً لدراسة رودنسون,بأنه مع انهيار المعسكر الشيوعي أواخر القرن العشرين, وُضع الإسلام كعدو أساس لقيم الحضارة الغربية الرأسمالية التي تحولت إلى الليبرالية المتوحشة بقيادة أمريكا , فكان تعبير البابا بندكت السادس عشر عن عدائه للإسلام من خلال العودة إلى النزعة السجالية الشرسة التي سادت العلاقة بين العالمين وأتباع الديانتين في ظروف النزاع الحادة على المستوى العسكري, حيث استعار نظرة الإمبراطور البيزنطي تجاه الإسلام عندما كانت عاصمته محاصرة من جانب الدولة العثمانية.
وإذ ننهي هذا العرض لدراسة رودنسون التي تكشف عن عمق تأثير الحضارة العربية الإسلامية على الحضارة الغربية, والتي سعت إلى تقديم رؤية موضوعية بشأن اهتمام الغرب بعالم الإسلام بعيداً عن الرؤية الأحادية الجانب التي تحدَّرت من القرن التاسع عشر إبان صعود الحركة الاستعمارية, واستعيدت في صورة أشد عنصرية في إطار المشروع الإمبراطوري الأمريكي الماضي على طريق الانهيار, فإننا نشير إلى ما يذكره رودنسون في مقدمة كتابه, من أنه يتفهَّم ما ذهب إليه إدوارد سعيد في نقده للفكر الإستشراقي, مؤكداً على أن هذا الفكر بصورته السلبية, ظل قائماً على امتداد المراحل التاريخية المختلفة, غير أن النظرة العلمية , تفرض عدم إغفال الصورة الأخرى التي كادت أن تطمسها النزعة الاستعمارية التي استعادت في إطار إيديولوجيتها كل ما هو معاد للحضارات الأخرى وخاصة للحضارة العربية الإسلامية, بل استعادت الحديث عن حرب صليبية جديدة ضد العالم الإسلامي كما ورد على لسان بوش (الإبن).
وقد نقول في الختام , هو أن رودنسون أراد أن يضعنا أمام رؤية مغايرة إزاء نظرة الغرب للإسلام وللعالم الإسلامي تتسم بالتعددية. ولعله من المفيد لنا (كشعب عربي) وشعوب إسلامية, أن نأخذ هذه الرؤية في اعتبارنا , لكي لا نقع في استغراب مضاد للعنصرية الغربية, بدل أن نخوض صراعنا التحرري مع الغرب الاستعماري على أساس رؤية عقلانية تمكننا من تحقيق أهدافنا في هذا الصراع.
منقولة : من موقع (دنيا الوطن / كتب ودراسات) مع بعض التصرف.
تأليف : لمكسيم رودنسون
عرض : غطاس أبو عيطة
صدر هذا الكتاب مؤخراً عن دار التنوير بدمشق (مركز الإنماء الحضاري), وكان قد نقله إلى العربية المفكر الراحل إلياس مرقص . ويحتوي الكتاب على دراستين وضعهما المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون, حيث نشرت الأولى والأهم, ضمن مجلَّد بريطاني طبع عام 1974 حول (ميراث الحضارة الإسلامية في إطار الثقافة الكونية), والدراسة هي بعنوان : (مراحل النظر الغربي إلى العالم الإسلامي).
وما يحاول رودنسون إظهاره في هذه الدراسة , هو أن اهتمام العقل الغربي بعالم الإسلام,قد جاء في الأساس لحاجة داخلية إلى هذا العالم, وذلك في سياق المعارك الفكرية والساسية التي عاشها الغرب الأوروبي بين القديم والجديد, بحيث بات الانجذاب للعالم الإسلامي في عصر الأنوار الذي مهد للثورة الفرنسية, عنواناً لمجابهة سلطة الكنيسة والحكم الملكي المطلق, مثلما كان هذا الانجذاب , عنواناً للمدافعين عن فكر النهضة في مواجهة الفكر المنغلق الذي أغرق العصور الوسطى في أوروبا في الجهل والظلام.
وإذ يبين رودنسون على امتداد دراسته, بأن النظرة إلى عالم الإسلام قد تمحورت حول صورتين متعارضتين, هما صورة الحماس لهذا العالم, التي تخالطها النظرة الرومانسية التي تضفي سحراً على الواقع .. والصورة العدائية التي ترفض هذا العالم بسبب عدائها للتغيير في مجتمعاتها مغلفةً هذا العداء بغلاف ديني عقائدي, فهو يشير كيف سادت النظرة الاستعلائية إلى عالم الإسلام, مع ظهور الحركة الاستعمارية منذ مطلع القرن التاسع عشر, والتي ترافقت مع سيادة ما سمي بالثقافة المركزية الأوروبية, التي قسمت العالم إلى معسكرين, هما المتحضر الغربي, والمتخلف الشرقي الذي يقعده إرثه الحضاري عن بلوغ الحضارة الإنسانية الوحيدة ممثلة بالحضارة الغربية, لكن الدراسة بصورة عامة, تبرز مدى تأثير الحضارة العربية الإسلامية على الغرب سواء في جانب المعارف العلمية أو على صعيد الفكر والفلسفة واللاهوت.
ونود الإشارة هنا, بأن أي تلخيص لما تورده الدراسة عن مراحل اهتمام الغرب بالإسلام وبالعالم الإسلامي (وبالشرق عامة), لا يمكنه مهما بلغ من الدقة , أن يعطي رؤية واضحة حول أهمية هذه الدراسة, التي حوت ضمن 52 صفحة من القطع المتوسط, كل ما تراكم لدى هذا الباحث من معارف غنيَّة تتعلق بموضوع دراسته, إذ أن أي تلخيص,يمكن أن يغلِّب صورة على حساب الصورة الأخرى فيما يتعلق بنظرة الغرب إلى الإسلام, وما أراده الباحث, هو أن يؤكد على تجاور الصورتين وتجادلهما وتداخلهما في كل مرحلة من مراحل اهتمام الغرب بالإسلام , ليأتي عصر الاستعمار والاستشراق المرتبط به, تكثيفاً للصورة السلبية التي تشكلت على مدى المراحل التي سبقتها, حيث أطلق على الدولة العثمانية في إطار الاهتمام بالمسألة الشرقية اسم الرجل المريض الذي لا شفاء له بسبب موروثه الشرقي , والإسلامي خاصةً وذلك ضمن نظرة عنصرية تجاه الإسلام والمسلمين.
مراحل الاهتمام الغربي بالإسلام :
يرصد رودنسون في دراسته ستة مراحل متداخلة من اهتمام الغرب بالاسلام (وبالشرق عامة),يمكن عرضها على النحو التالي :
1- مرحلة الفتوحات العربية الاسلامية :
لم يكوِّن الغرب صورة خاصة به عن الإسلام والمسلمين إبان هذه المرحلة التي شهدت الفتوحات الإسلامية التي اجتاحت بلاداً كانت خاضعة للإمبراطورية الرومانية الشرقية, والتي بلغت إسبانيا شمال المتوسط, وطرقت أبواب "بلاد الغال" وأطراف شبه الجزيرة الايطالية. فكان أن استعار المصطلح الذي أنتجته الإمبراطورية الرومانية عن الشعوب القابعة خارج حدودها باعتبارهم برابرة , وقد أطلق الغرب على (البرابرة) العرب المسلمين اسم السارسيين أو الأجاريين, نسبة لسارة ولهاجر (زوج وخادم النبي إبراهيم وفق منظورهم). غير أن رحالة وحجاجاً أوروبيين, نقلوا على نطاق ضيق , الأدبيات الهجائية التي صاغها رجال دين منعزلين من أبناء الشرق يهود ومسيحيين ضد الإسلام, والتي أريد لها أن تطلق حركات نضالية ضد السيطرة الإسلامية , وأن تتصدى لحركة الدخول في الإسلام التي انتشرت في المنطقة.
2 - مرحلة الحروب الصليبية :
مع انحسار زخم الفتوحات الإسلامية باتجاه أوروبا في القرن الحادي عشر, وبدء ما عرف بحرب الاسترداد في إسبانيا وإيطاليا الجنوبية وصقلية, أخذت أوروبا تتعبأ ضد"العدو الإسلامي", وأخذت تنتشر في هذا المناخ, الإيديولوجيا الإمبراطورية الكارولنجية المتمركزة في البر الداخلي الأوروبي, تنافسها على العداء للإسلام , الإيديولوجيا البابوية المتمركزة على طول شمال المتوسط, والإيديولوجيتين وجدتا في عملية التعبئة ضد الإسلام, وفي توجيه الغرب نحو حروب خارجية تحت دعوى استرداد الأماكن المقدسة المسيحية من المسلمين, أداة لتوحيد المسيحيين الغربيين تحت سلطة الإمبراطور والبابا, وعبر هاتين الإيديولوجيتين تشكلت صورة واحدة عن العدو المشترك, استبطنت مجموع الأدبيات الهجائية السجالية التي صاغها المعادون للحكم الإسلامي في المشرق , وفي اسبانيا وجنوب إيطاليا.
وإنه رغم الصورة المصمتة العدائية والهجائية التي سادت عن العالم الإسلامي , فقد دخل ملوك وأمراء الغرب, في تحالفات عسكرية وسياسية مع ملوك وحكام محليين مسلمين ضد أعداء مشتركين من المعسكرين. لكنه بمعزل عن هذا التداخل السياسي الدنيوي, فقد عمت الأوساط الشعبية تحت تأثر التعبئة المعادية, صورة خرافية عن الإسلام والعالم الإسلامي, تعتبر الإسلام بمثابة ديانة وثنية,وتنسب للمسلمين كل الصفات السلبية غير الإنسانية. غير أن التماس المباشر مع العالم الإسلامي الذي ولدته تلك الحروب, في المشرق والمغرب العربيين, وفي أجزاء من أوروبا, أوجد ميداناً آخر من التفاعل بين العالميين, إذ انتبه الغرب الفقير في العلوم وفي مصادر المعرفة, إلى الكنز الثمين الذي تختزنه الحضارة العربية الإسلامية , والذي انعكس على شؤون الحياة في ميادينها المختلفة, لتبدأ عن طريق ذلك, حركة النهل من هذا الكنز, حيث رعى العديد من الأمراء والملوك الغربيين, حركة ترجمة واسعة لأكداس المؤلفات الإسلامية, الموضوعة بالعربية, بما ترك تأثيراً بالغ الأهمية على تقدم الغرب باتجاه عصر النهضة. وبقيت العلوم والفلسفة والفقه المستقاة من المصادر الإسلامية , الشغل الشاغل للمعنيين بعملية التغيير في الغرب التي مرت بمراحل مختلفة, إلى أن شعر الغرب في القرن التاسع عشر, بأنه بات يمثل مركز الحضارة الإنسانية, متعالياً على حضارات الشعوب الأخرى وعلى رأسها الشعوب الإسلامية الشرقية, وذلك بعد أن بنى هذا الغرب حضارته استناداً إلى منجزات الحضارة العربية الإسلامية التي تمثلت ما خلفته حضارات المنطقة وفي مقدمتها الحضارة اليونانية.
وفي غمرة هذا التماس مع عالم الإسلام, انتبه الفارس المحارب الغربي إلى سمات فروسية في شخصية المحارب المسلم الشجاع المدافع عن حياضه, وتجمعت هذه السمات الإيجابية من الشجاعة والكرم والتسامح في الشخصية الأسطورية التي نسجت لصلاح الدين الأيوبي القائد المظفَّر الذي دحر الغزو الصليبي, وظهرت الملاحم الشعبية التي وضعها الشعراء الجوالون حول هذه الشخصية, وبذلك عرفت الأوساط الشعبية الغربية, صورة أخرى عن الإنسان المسلم غير الصورة التي عممتها الإيديولوجيا البابوية والإمبراطورية, وإن ترافق ذلك, مع نسبة صلاح الدين وغيره من الأبطال وحتى المفكرين المسلمين إلى المسيحية باعتبارها وحدها المجسِّد للقيم الإيجابية وفق اعتقادهم.
وإلى جانب هذا المصدر لصورة المسلم, دخلت صورة أخرى تتعلق بفهم كوني إنساني للديانات السماوية, مصدرها مؤلفات الفلاسفة والفقهاء المسلمين من أمثال ابن سينا وابن رشد,والذين أغنى فكرهم الديني, اللاهوت الضيق الذي عممته الكنيسة عن المسيحية خلال العصور الوسطى, وفي هذه المرحلة كما يقول رودنسون, باتت كلمة فيلسوف مرادفة لكلمة مسلم, ويمكن الإشارة هنا, إلى أن كل الأطراف المتصارعة عقائدياً بدوافع دنيوية, استندت إلى التراث الفلسفي والفقهي الإسلامي في الدفاع عن خياراتها العقائدية والفكرية, حيث غدا الفكر الإسلامي بمثابة مرجعية لمجموع المتجابهين, لكن هذا الإعجاب بالعلماء والفلاسفة والفقهاء المسلمين, لم يخلُ من الرؤية المعادية للإسلام التي بقيت قائمة في الوعي الغربي, حيث جرى اعتبار هؤلاء العلماء والفلاسفة والفقهاء – كما اعتبر صلاح الدين – بأنهم خارج الدائرة الإسلامية, ولذلك فقد أعفاهم دانتي من دخول جحيمه, الأمر الذي يكشف عن استمرار تداخل الصورتين المتناقضتين عن الإسلام والمسلمين, ودخول الإيديولوجيا على خط المعرفة الموضوعية.
ويتوقف الباحث بالنسبة لهذه المرحلة من التاريخ , إلى دور التجارة في تعميق التماس بين العالمين الغربي والإسلامي الشرقي, فقد بادرت المدن الإيطالية إلى التجارة مع الشرق المسلم, وكانت سباقة في دخول عصر النهضة, لكن الحركة التجارية لم تلبث أن اتسعت, واتسع معها التعرف على الواقع الغني لحياة الشعوب الإسلامية بعيداً عن الصورة النمطية الاختزالية والعدائية.
وهكذا فإنه نتيجة هذا التماس بين الجانبين, انحسرت كما يقول رودنسون , الرؤية السجالية الشرسة تجاه الإسلام وعالمه, وانتقلت الصورة وعلى نطاق واسع, من حالة الشيطنة المانوية التي انحدرت من العصور الوسطى ورافقت الحروب الصليبية, إلى حالة من القبول لهذا العالم الذي سبق الغرب إلى الحضارة المتمحورة حول الإسلام, ووصل الأمر بالإمبراطور فردريك الثاني(1194 – 1250), "المحب للإسلام, والذي يناقش بالعربية في الفلسفة والمنطق", أن أقام في مدينة إيطاليَّة , مستوطنة إسلامية أشاد فيها مسجداً,, استقدم لها العلماء والفلاسفة المسلمين من الشرق واسبانيا وغيرهما, لتكون مصدر إشعاع للحضارة الإسلامية الإنسانية في إمبراطوريته وفي الغرب عامة, ومعبراً لدخول أنماط الحياة الإسلامية التي تهذب من سلوك وعادات الغرب.
وفي مواجهة هذا الانجذاب نحو عالم الإسلام, جاء الحرم الذي أوقعه البابا غريغوار التاسع على هذا الإمبراطور, ليكشف عن موقف آخر إزاء الإسلام بقي قائماً في العقل الغربي.
ومع بدء الاجتياح المغولي في القرن الثالث عشر, احتل المغول مكان المسلمين صفة البربرية والهمجية, وباتت كلمة المغولي هي المرادفة للوثنية بدل المسلم. ونعلم هنا كيف أن المماليك هزموا المغول وأوقفوا تقدمهم في المحيط العرب الإسلامي, وأزالوا آخر حصون الصليبية في هذا المحيط لتدخل العلاقة بين العالمين مرحلة جديدة, هي مرحلة نهوض الإمبراطورية العثمانية الإسلامية.
3 – مرحلة الإمبراطورية العثمانية :
احتلال الإمبراطورية العثمانية للقسطنطينية وتقدمها نحو قلب أوروبا عبر البلقان, لم يولِّد لدى الغرب الأوروبي موقفاً عدائياً تجاه الإسلام بقدر ما ولد تحدياً عسكرياً خالطه الإعجاب بقدرات هذه الدولة وتقدمها في الفنون العسكرية, وانبهارٍ ببلاطها المترف وما أشادته من عمران أقامه الفنيون الذين استحضرتهم هذه الدولة من مختلف أرجاء الإمبراطورية.
وكما يقول رودنسون , فقد أصبح الإسلام جاراً في إطار الخريطة الأوروبية ولم يعد ذلك الآخر البعيد الذي تنسج حوله الأساطير الخرافية ضمن صورة مختزلة, وعليه فقد استمر الانجذاب الأوروبي نحو منجزات الحضارة العربية الإسلامية بعيداً عن نزعة العداء, وتواصل وضع الاجتماع الإسلامي الذي لا تكبِّله سلطة كهنوتية في مواجهة السلطة الكنسية الاستبدادية.
وفي مرحلة صعود هذه الإمبراطورية, تسابقت الأطراف المتصارعة على السلطة في الغرب , على التحالف معها وخطب ودها بمن في ذلك السلطة البابوية التي دخلت في نزاع مع الإمبراطور , وقد نقل السفراء الغربيون, صوراً زاهية عن البلاط العثماني المترف المشبع بالتقاليد الشرقية الإسلامية.
وما أن حل عصر الأنوار , حتى غدا الانبهار بالإسلام كدين, موضع إجماع المنوِّرين, فاعتبره روسو دين الفطرة الذي يعيد انسجام الإنسان مع الطبيعة, وأشاد فولتير بالرسالة التي حملها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) للإنسان في مواجهة قيود الكنيسة والحكم الملكي المطلق الذي يزعم بأنه يستمد شرعيته من الإرادة الإلهية, وأعاد مونتسكيو النظم الدكتاتورية في الشرق إلى العوامل الجغرافية وليس إلى الإسلام كدين.
وهكذا قدَّم المنوِّرون لعالم الإسلام صورة زاهية شمولية بعيدة عن المقاربة الموضوعية التاريخية وذلك في سياق تصديهم للنظم القائمة لديهم المدنية منها والكنسية.
4 – القرن الثامن عشر :
تقدمت في هذا القرن العلوم الطبيعية, واتسعت المعرفة بمنجزات الحضارة الإسلامية, غير أن صورة العالم الإسلامي أخضعت في هذا القرن لتلك العلوم باتجاه رؤية تخصصية بعيدة عن الشمولية السابقة ومتسمةٍ بالجمود النظري.وقد اعتبرت اللغة, ومن ثم العرق والدين,المحاور التي تنجدل من حولها الحضارات ومن ضمنها الحضارة الإسلامية, وجرى تقسيم الحضارات على أساس تلك المحاور أو القوالب العلموية الضيقة.
لكن خط المنورين الخارج على الرؤية الوضعية الضيقة استمر في النزعة الرومانسية التي طبعت الشعر في هذا القرن, فوضع غوتة في أواخر القرن, "نشيد محمد" الذي أشاد فيه بشخصية نبي الإسلام بعيداً عن البرغماتية التي طبعت أناشيد فولتير. ثم وضع غوتة (الديوان الشرقي –الغربي) الذي يعلن فيه انحيازه للحياة الشرقية الساحرة, وكذلك فعل بايرون في ولعه بحضارة اليونان التي نسبها إلى الشرق. وأسهم هذا الشعر , في مضاعفة الاهتمام العلمي بالحضارة العربية الإسلامية بكل منجزاتها وأنماط الحياة التي أقامتها.
وهنا يذكر رودنسون, الأثر الذي أحدثته ترجمات كتاب "ألف ليلة وليلة" إلى اللغات الأوروبية على صورة الشرق الإسلامي في الوعي الغربي,بل أثره البالغ العمق على الرواية الأوروبية.
5 - الحركة الاستعمارية تقلب الصورة :
ما أن أطل القرن التاسع عشر وما أطلقه من حركة استعمارية غربية, حتى تبدلت صورة الحضارات الأخرى وعلى رأسها الإسلامية في نظر الغرب ,حيث برزت فكرة مركزية الحضارة الأوروبية المسيحية الغربية في مواجهة الحضارات المتخلفة التي يقف الدين, واللغة, والعرق حائلاً بوجه تقدمها. وفي هذه الحقبة, برز دور الرسامين الذين أقاموا صورة بالغة الهمجية عن حياة المسلمين, فسادت الألوان الصارخة في رسوم هؤلاء التي تبرز الحياة الماجنة في القصور الإسلامية, حيث الجواري والخصيان, والنساء اللواتي يلقى بهن في البسفور, والرؤوس المقطوعة, والأسيرات المخضعات لشهوات الهمجيين, وهذا المناخ السادي المازوشي الذي جرى تصويره, أتى انعكاساً لتطلع البرجوازية المحدثة النعمة نحو الغرق في الشهوات المادية كما يشير رودنسون.
وفي هذه المرحلة , انطلقت الإرساليات التبشيرية نحو الشرق الإسلامي, وإذ فشلت في "هداية" المسلمين, فقد ردت ذلك إلى طبيعة الإسلام كدين الذي يقف عقبة بوجه الحضارة الإنسانية التي انحصرت لدى هؤلاء في الحضارة الغربية المسيحية, وأقام المبشرون جبهة واحدة للقوى التي تعيق رسالتهم التمدينية المسيحية, تضم المسلمين واليهود والماسونية والبروتستنتية. وغذَّى هذا العداء لعالم الإسلام , ظهور دعوة المفكرين للجامعة الإسلامية في مواجهة خطر الزحف الاستعماري وعلى رأسها دعوة الأفغاني, وكذلك ظهور مستغربين شرقيين نادوا إلى التخلص من أنماط الحياة الشرقية والإسلامية كسبيل لتجاوز واقع التأخر في المجتمعات الإسلامية. وقد أغفل الباحثون والأدباء في هذه المرحلة, كل ما هو إيجابي في حياة الشرق الإسلامي, وركزوا على جوانب سلبية نسبوها للإسلام كدين.
وهكذا استعاد المستشرقون كل الأدبيات السجالية والهجائية ضد الإسلام والمسلمين, معتبرين حركات مقاومة الاستعمار, على أنها حركات انغلاقية ومعادية للتمدن والتقدم وتقوم على رفض الآخر.6 - أفول المركزية الأوروبية :
مع دخول القرن العشرين واندلاع الحرب العالمية الأولى بما خلفته من دمار واسع, تزعزعت النظرية عن مركزية الحضارة الأوروبية, فوضع شبنجلر مجلده عن أفول الحضارة الغربية. لكن ظهور الشيوعية كعدو للعالم الرأسمالي الغربي, ووقوف الإسلام سداً منيعاً بوجه المد الشيوعي, جرت في الوعي الكنسي الغربي الكاثوليكي عملية مصالحة مع الإسلام, تجلت في مقررات المجلس المسكوني المنعقد عام 1965, التي أشادت بالديانة الإسلامية التي تمجِّد قدرة الخالق, وتعلي من مكانة يسوع ومريم, وتؤمن بجميع الأنبياء والرسل. وهنا توقف رودنسون عند المحاولة الفكرية الهامة التي قادها المفكر التتري إسماعيل علييف ضمن الإمبراطورية السوفيتية, والتي سعت إلى المصالحة بين الماركسية والإسلام والتي جرى وأدها من جانب القيادة السوفيتية التي عممت عداءَها للدور الذي لعبته الكنيسة في العهد القيصري على كل الديانات بما فيها الديانة الإسلامية التي لم تشارك أساساً في دعم سلطة القيصر.
ونضيف هنا استكمالاً لدراسة رودنسون,بأنه مع انهيار المعسكر الشيوعي أواخر القرن العشرين, وُضع الإسلام كعدو أساس لقيم الحضارة الغربية الرأسمالية التي تحولت إلى الليبرالية المتوحشة بقيادة أمريكا , فكان تعبير البابا بندكت السادس عشر عن عدائه للإسلام من خلال العودة إلى النزعة السجالية الشرسة التي سادت العلاقة بين العالمين وأتباع الديانتين في ظروف النزاع الحادة على المستوى العسكري, حيث استعار نظرة الإمبراطور البيزنطي تجاه الإسلام عندما كانت عاصمته محاصرة من جانب الدولة العثمانية.
وإذ ننهي هذا العرض لدراسة رودنسون التي تكشف عن عمق تأثير الحضارة العربية الإسلامية على الحضارة الغربية, والتي سعت إلى تقديم رؤية موضوعية بشأن اهتمام الغرب بعالم الإسلام بعيداً عن الرؤية الأحادية الجانب التي تحدَّرت من القرن التاسع عشر إبان صعود الحركة الاستعمارية, واستعيدت في صورة أشد عنصرية في إطار المشروع الإمبراطوري الأمريكي الماضي على طريق الانهيار, فإننا نشير إلى ما يذكره رودنسون في مقدمة كتابه, من أنه يتفهَّم ما ذهب إليه إدوارد سعيد في نقده للفكر الإستشراقي, مؤكداً على أن هذا الفكر بصورته السلبية, ظل قائماً على امتداد المراحل التاريخية المختلفة, غير أن النظرة العلمية , تفرض عدم إغفال الصورة الأخرى التي كادت أن تطمسها النزعة الاستعمارية التي استعادت في إطار إيديولوجيتها كل ما هو معاد للحضارات الأخرى وخاصة للحضارة العربية الإسلامية, بل استعادت الحديث عن حرب صليبية جديدة ضد العالم الإسلامي كما ورد على لسان بوش (الإبن).
وقد نقول في الختام , هو أن رودنسون أراد أن يضعنا أمام رؤية مغايرة إزاء نظرة الغرب للإسلام وللعالم الإسلامي تتسم بالتعددية. ولعله من المفيد لنا (كشعب عربي) وشعوب إسلامية, أن نأخذ هذه الرؤية في اعتبارنا , لكي لا نقع في استغراب مضاد للعنصرية الغربية, بدل أن نخوض صراعنا التحرري مع الغرب الاستعماري على أساس رؤية عقلانية تمكننا من تحقيق أهدافنا في هذا الصراع.
منقولة : من موقع (دنيا الوطن / كتب ودراسات) مع بعض التصرف.