المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحسد أسبابه وآثارته وكيفية تحويره


الدكتور عبدالحكيم ابوزيان
06-01-2007, 10:44 AM
الحسد أسبابه وآثاره
لا تزال خصلةُ الحسد مغروزةً بين جنبي الكائن البشريّ، الذي تتوالد نفسُه بالعديد من المتناقضات بين الفجور والتقوى،وبين الحب والكره،وبين الجود والشّح إلخ ...،وهو صراعٌ بُليت به النفسُ،وامتُحنت به الخليقةُ:"فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسَّاها"والحسد هو من أضرّ ما يمكن أن تنطوي عليه النَّفس،وتمرض به القلوب.
وبإمكان الإنسان أن يحور هذا الحسد السلبي فيوحوّله إلى حسد إيجابي يدفعه لاكتشاف مواهبه دون أن يتمنَّى زوال نعمة المحسود،أو أن يلقي بالاً بما عند غيره،فبدل أن يحوِّله الحسد إلى عنصر سلبي ومؤذٍ،يحاول طمس محاسن الآخرين،ويفتعل المواقف الشائهة والشّاذّة ضدَّهم ومن ثَمَّ تتبلور تلك السلوكيات الساذجة فيما بعدُ لتصبح جزءاً من ثقافة مسيطرة على مواقفه لا يستطيع ردَّها بل يحاول البحث عن مشروعيَّتها،مهما كانت منغمسةً في الدَّناءة والشُّذوذ.
أقول:قد يتحوَّل هذا الحسد المنبوذ إلى حسد إيجابي يبيحُه الشرِّعُ،و يمدحه النَّاسُ،وذلك عندما يتحوَّل إلى منافسة شريفة في العمل،ومسابقة كريمة في تنمية المهارات، ونحو ذلك.
وهكذا..وبمعنى آخر تكون إيجابية الحسد عند ما يدفع صاحبَه إلى مراجعة نفسه ومحاسبتها عن قصورها عن الرتب التي بلغها الآخرون،فينتقل وبإصرار من متفرّج إلى مشارك،ومن مثبّط إلى محرِّك،ومن مشاغب إلى مسابق ،ومن مشتغل بخصوصيات الآخرين إلى مهتمٍّ بخصوصيات نفسه،وبترميم مواطن القصور فيها.
إنَّ الحسد بمعناه السلبي هو تمنّي زوال نعمة الآخرين،والسعي لتثبيطهم وإفشالهم،وهو في هذه الوجهة خلقٌ ذميمٌ يضر بصاحبه أوَّلا،كما يعيق حركة المجتمعات،ويفسد علائقها...وهو بهذا المعنى شؤمٌ على صاحبه،كما هو شؤم على المجتمع الذي تظهر فيه مثل هذه المظاهر المزعجة....
إنّ الإسلام حاول أن يوجّه هذا السّلوك المنبثَّ في النَّفس البشرية ليفرّغه في قالب من الحسد الإيجابي المشروع الذي يؤجر الإنسان عليه ومن ذلك ما ورد في الحديث الصحيح:"لا حسد-أي:لا غبطة-إلا في اثنتين،رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه على هلكته في الخير،ورجل آتاه الله قرآناً فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار".
وهنا نلاحظ أنَّ الحديث قد نبَّه على أنَّ الحسد بين الناس دائرٌ على أحد أمرين،إما أمرٌ معنوىٌّ كالعلم والوجاهة والشهرة، ونحوها،وإما أمرٌ ماديٌّ كالمال والبناء والأولاد ونحوها،وعلى هذين تدور رحى الصراع بين نبي البشر.
أسباب استفحال داء الحسد:ولا بأس أن أتناول بعض الأسباب التي تساعد في تنمية ظاهرة الحسد لدى الأفراد،والتي ترجع في مجموعهاإلى ضعف الإيمان،ومنها:-
1-الجهل:الذي هو أعدى أعداء الإنسان،وهو ما يخلق في النفس أفقا ضيّقاً،ومسلكاً مظلماً يحجبها عن رؤية محاسن الآخرين مهما عظمت،وكلما تنوَّر عقل الإنسان بالعلم كلما انفسحت أمامَه المزيد من الآفاق التي تسبح به بعيداً عن هذه المساحات النَّفسية المضطربة والحادة.
2- الكبر وحب الرياسة ونزعة التَّسلط،وهو ما يجعل من ارتقاء الآخرين وتألقهم مصدر قلق للمتكبر الذي يحب أن يستأثر بكل شيء،ويكره أن يتقدَّم عليه أحدٌ من الناس،وكأنَّ الدّنيا بأسره-فيما يخيّل إليه-قائمةٌ على إبداعه دون غيره.
3-الشعور بالعجز عن طلب المعالي،وهذا النَّوع من الناس تراه يسحب هذا الاعتقاد على غيره،فلا يصدّق أنَّ أحداً يمكنه أن يرتاد المعالي،أو أن يصبح شيئا ما،وإذا ما شعر بذلك فإنَّ قلبه يمتلئ غيظا وحقدا عليه.
4-الفراغ وعدم الاشتغال بما هو نافعٌ للمرء في دينه أو دنياه،ولذا فإنَّنا نجد أكثر من يصابون بهذا الوباء من العاطلين عن العمل ،والمتفرغين لمراقبة الآخرين،ورصد حركاتهم وسكناتهم، يفرحون بإخفاقاتهم،ويحزنون بنجاحاتهم.
ولا تزال مثل هذه الأمراض النَّفسيّة إذا لم يبادر المرء باجتثاتها ومعالجتها تتمكَّن في القلب حتَّى تتحوَّل إلى داء عضال،يجمع على صاحبه هموماً لا حدَّ لها،كما يمنعه من التركيز،ويطبعه بطابع الحدَّة والرفض للآخر على نطاق واسع.
ولاشكَّ أنَّ الإسلام عندما ينهى عن مثل هذه الخصال البغيضة إنَّما يعكس اهتماماته بالصّحّة النَّفسية وضرورتها في بناء المجتمع السليم الخالي من كلّ الأمراض.
آثار الحسد:إنَّ آثار الحسد لا تقتصر على جانب من جوانب حياة الإنسان،بل إنَّها آفةٌ تمحق برجسها كلَّ خير،وتحرق بلفحاتها كلَّ القيم والفضائل،وتعمُّ بصلفها الحاسد والنَّاس أجمعين،ومن الممكن أن ألخص أهمَّ هذه الآثار في النقاط التالية:
أوَّلاً:الآثار الدّينيَّة.
قالحسد يعكس العديد من الآثار الدّينيّة على الحاسد،ولذا فإنَّ النبي-صلى الله عليه وسلم-سمَّاه:الحالقة التي تحلق الدّين،وهذه أهم لآثاره في هذا الجانب:
أ-عدم الرّضا بالقضاء والقدر،والتبرّم من حكمة الله-تعالى-في قسمة الأرزاق،واختلاف المراتب والدّرجات بين البشر الذي يشكّل العامل الأوسع في استقرار الحياة،وتبادل المنافع بين النَّاس،وعمارة الكون.
ب- الحسد من كبائر الذّنوب التي تضاعف السيئة وتمحق البركة،ويطبع على قلب صاحبها فلا يعرف منكراً،ولا ينكر معروفاً.
ثانياً:الآثار الاجتماعية.
يعتبر الحسد السَّلبي من أخطر الآفات التي تفتك بالمجتمعات الإنسانيَّة بشكل عامّ،ممَّا يحدث فيها الكثير من الضرر،ويُشيعُ فيها العديدَ من الأمراض التي تعود تلك المجتمعات بالاضطرابات وعدم الاستقرار،وفيما يلي بيان لأهمّ تلك الآثار:-
أ-شيوع الأنانية وحبّ الذّات بين أفراد المجتمع.
ب-غياب الروح الجماعية،واضمحلال التعاون الخلاّق،وبرز التفكك الاجتماعي.
جـ-تعطّل المصالح،وانهيار مؤسسات المجتمع المدني بسبب العداءات الشّخصية،ومحاربة الآخرين.
د-انعدام الجانب الإنساني،وتدهور القيم والفضائل،في التعامل مع الآخرين.
ثالثاً:الآثار النَّفسية.إنَّ الحسد السَّلبيَّ يجرّ على صاحبه من المتاعب،و المصائب نفسيًّا وبدنيا أكثر مما يجره على غيره،وفيما يلي أهمّ ما ينعكس على النَّفس من الآثار الموجعة لهذا المرض الخطير:-
أ-القلق والتوتّر والشّعور بالبؤس والاكتئاب.
ب-الارتباك وارتجال المواقف.
جـ-الشعور بالعجز وعدم الثقة في النفس.
د-الاهتمام بشؤون الآخرين إلى حدّ التفريط في الشؤون الخاصّة.
هـ-هذه الخصلة تجرّ معها العديد من العادات السيئة الأخرى كالكذب والزور والافتراء والخديعة والتجسس.

خدوجة محمد
06-01-2007, 01:02 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد * ومن شر حاسد إذا حسد

صدق الله العظيم

عفانا الله وإياكم من أمراض القلوب

ننتظر المزيد من الروائع القيمة

دمت بود

الاستاذة ايمان الطرابلسي
06-01-2007, 08:54 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جزاك الله خير دكتور عبد الحكيم على على جهودك المبذولة لنشر الوعى الدينى وبارك الله فيك على هذا الموضوع القيم .. والذى اوضح لنا الجانب الاخر من موضوع الحسد الا وهو الحاسد .. فاغلب مواضيع الحسد تتناول جانب المحسود.
والرائع تحوير صفة الحسد الذميمة من سلبية الى ايجابية .

دمت بصفاء وسعادة

بريهان
06-01-2007, 11:44 PM
جزاك الله كل خير .

خالد النعاجي
07-01-2007, 03:57 PM
جزاك الله خير .. د عبد الحكيم

الاستاذة كريمة علي
11-01-2007, 06:32 PM
مشكور دكتورنا جزيل الشكر
و يجزيك الله عليه كل خير
و يجعله الله في ميزان حسناتك

مع الود و التقدير :)

لينا لقاء
و ربي يسمعنا على بعضنا كل خير

مخاوف الكاسح
13-01-2007, 01:24 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الف تحيه للقائمين على هذا الموقع الحميل صراحة والذى يفتقد اليه العديد من الخبراء فى بلادنا نتيجه لعدة امور انتم ادرى بها فالشكر جزيل على هذه الخطوات البنئه والهادفه والافكار الجيده المطروحه .

الاستاذ خالد الكردي
15-01-2007, 08:33 AM
اسعد الله اوقاتك بكل خير دكتورنا الجليل
وجزاك الله خير الجزاء على ماذكرت عن الحسد كفانا الله واياكم شر الحسد والحاسدين وأسأل العلي القدير ان يجعلها في موازين حسناتكم وأن يجمعنا بكم في فسيح جناته مع الشهداء والصالحين ... اللهم آمين

جميله
16-04-2007, 11:53 AM
بوركة اخى وجزاك الله كل خير على التوضيح


تحيتى