المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مجهولو النسب.. نفوس حزينة


ايمان احمد
12-10-2008, 01:46 PM
"مجهولو النسب.. نفوس حزينة


**د. محمد المهدي

في حين يُستقبل الطفل المولود -في الأحوال العادية- بفرحة وتضاء له الشموع ويحاط بالرعاية في حضن أمه، وفي كنف أبيه ويكبر في جو من الحب والقبول، ويشعر بالانتماء لأسرته وعائلته، ويفخر بذلك الانتماء وتتحدد عليه هويته، نجد على الجانب الآخر أن الطفل المولود مجهول النسب يُستقبل بوجوم وحزن وأحيانا رفض ثم حين يكبر يكتشف أنه بلا هوية وبلا انتماء.

تكشف الأوراق الرسمية وجود 14 ألف طفل مصري على الأقل بلا اسم ولا هوية أو نسب ولا وجود قانوني أو رسمي، بعدما رفض آباؤهم الاعتراف بهم، وأن أغلب هؤلاء الأطفال جاءوا نتاج زواج عرفي أو غير رسمي ينكره الأب دائما.

وكشفت الدراسة الصادرة عام 2005 عن الإدارة العامة للأسرة والطفل بوزارة الشئون الاجتماعية أن أغلبية الزيجات التي تثمر أطفالا غير معترف بهم وبلا هوية هي نتاج زواج المصريات الفقيرات صغيرات السن من أثرياء عرب أغلبهم من دول الخليج.

فترة الحمل

يدفعنا هذا الوضع إلى التساؤل: ما هي الآثار النفسية التي تقع على هذا المولود الذي ينكره أبوه ويرفضه المجتمع؟.. بداية حين تدرك الأم أنها حامل من علاقة غير شرعية أو علاقة سرية (زواج عرفي غير مثبت) ينتابها القلق على مصير هذا الحمل، وربما تكون هناك محاولات للتخلص من هذا الحمل هربا من مشاكله وتبعاته.

ومن المعروف علميا أن مشاعر القلق أو الخوف أو الغضب أو أي مشاعر سلبية أخرى تنتقل إلى الجنين عبر رسائل كيميائية تنتشر في دم الأم، ومن هنا نتوقع زيادة احتمالات القلق والتوتر في الطفل الذي نشأ جنينا لأم قلقة مضطربة. كما أن مشاعر الرفض للجنين تنتقل إليه بشكل نعلم بعض جوانبه وتؤثر في صفاته بعد الولادة فيأتي إلى الحياة ولديه مشاعر غضب زائدة عن أقرانه، إضافة إلى أن الجنين يتأذى كثيرا عضويا ونفسيا بمحاولات الإجهاض التي تجرى للتخلص منه وتترك هذه المحاولات آثارا غائرة قد لا يمحوها الزمن.

ما بعد الولادة

يُستقبل هذا المولود استقبالا فاترا وربما تجرى محاولات للتخلص منه بالقتل أو إلقائه على قارعة الطريق، وحتى إذا لم يحدث هذا فإن الأم وأسرتها يشعرون أنهم في "ورطة" مع وجود هذا الطفل مجهول الأب أمام الناس، وهذا ينعكس في صورة إهمال للطفل، ومشاعر سلبية تجاهه قد تكون ظاهرة أو تكون خفية، ولكنها في النهاية تصل إليه وتؤذيه ويشعر معها بطرق مختلفة أنه غير مرغوب فيه؛ ومن هنا تنشأ لديه مشاعر عدائية نحو الآخرين الذين يرفضونه أو يهملونه أو ينوون التخلص منه أو -على الأقل- يتمنون ذلك.

وتشهد الأيام التي تلي ولادة هذا الطفل صراعات كثيرة وحيرة أكثر لأن الأمر يتطلب تسجيله في الأوراق الرسمية واستخراج شهادة ميلاد له، وهنا تعيش الأم وأسرتها في أزمة حين يرفض الأب الحقيقي إلحاقه به، وربما ينتقل الأمر إلى المحاكم أو إلى مجالس التحكيم أو إلى صفحات الجرائد وشاشات التلفاز وهنا تزداد الفضيحة ويلحق بهذا المولود "أو المولودة" وبأمه وصمة أخلاقية واجتماعية يذكره الناس بها. وربما يعطى له أي اسم للخروج من هذه الأزمة مؤقتا لحين البت في أمره.

مرحلة الطفولة

لا ينعم هذا الطفل بحياة طبيعية فالأم في حالة تعاسة بسبب تنكر الأب لابنه، وهي إما تسعى بين المحاكم لإثبات نسبه أو تتذلل لأبيه لقبوله وقبولها، وهي في كل الحالات تواجه وصمة اجتماعية وأخلاقية لا تقل-بل تزيد- عن تلك التي يواجهها طفلها، وبما أن الأم هي المحضن الوحيد للطفل في هذه الحالة فإننا إذن نتوقع أن تنعكس حالتها النفسية التعسة والغاضبة على طفلها ويعاني الاثنان معا نظرة اجتماعية جارحة وواصمة ومؤلمة ورافضة ومتسائلة ومتشككة، مهما بدا في الظاهر غير ذلك.

والطفل حين يكبر يكتشف أنه مختلف عن أقرانه الذين يرى آباءهم يحضرونهم إلى المدرسة أو يستقبلونهم بالأحضان عند انتهاء اليوم الدراسي ويصحبونهم إلى البيت ويشترون لهم الهدايا ويصحبونهم في الرحلات ويحمونهم من أية مخاطر تهددهم، أما هو فلا يجد حوله إلا أما بائسة ضعيفة منبوذة كسيرة غاضبة وحيدة.

مرحلة المراهقة

تحتد الأزمة في فترة المراهقة حين يتأكد المراهق أنه مجهول النسب، خاصة أن هناك ما يسمى بأزمة الهوية التي يمر بها كل مراهق لتتحد كينونته وأهدافه وتوجهاته في هذه المرحلة من العمر، وإذا كان المراهق العادي يمر بهذه الأزمة مع بعض الصعوبات المحتملة فإننا نجد أن المراهق مجهول النسب يعاني بشدة في هذه المرحلة؛ لأن أصل الهوية الشخصية والعائلية مفقود، فهو لا يعرف من أبوه؛ وبالتالي لا يعرف إلى من ينتمي.

في الوقت الذي يرى أقرانه ينتمون إلى آبائهم ويفخرون بانتسابهم لعائلاتهم، فإنه يشعر أن الأرض قد غارت من تحت قدميه، فلا توجد أرض صلبة يقف عليها فهو أشبه ببناء بلا أساس. والهوية مطلب أساسي بالنسبة للإنسان، وهي حين تكون غامضة أو مضطربة أو مشوهة تجعل البناء النفسي هشا أو مشوها، ولا يتوقف الأمر لدى الطفل أو المراهق مجهول النسب عند عدم معرفته بأبيه، وإنما يزيد على ذلك نظرته لأمه التي أنجبته من علاقة خاطئة ولم تهيئ له مقدما طبيعيا لهذه الحياة، وهنا تتكون لديه مشاعر متناقضة نحو أمه؛ فمن ناحية هي مصدر الانتماء الناقص والوحيد له، وأيضا مصدر الرعاية -إن كان ثمة رعاية- وفي نفس الوقت هي مصدر الوصمة الاجتماعية وعدم الاحترام له ولها.

ولهذا نجد أن مشاعره يختلط فيها الحب بالكراهية والغضب والاحتقار والعتاب والاحتجاج، وهذه المشاعر المتناقضة ليست فقط من الطفل أو المراهق تجاه أمه وإنما تسير أيضا من الأم تجاه ابنها أو ابنتها، فعلى الرغم من الحب الأمومي الفطري فإن هناك مشاعر رفض وتورط، فهذا الابن يعلن عن الخطيئة أو الخطأ ليل نهار أمام كل الناس، كما أنه يمثل جزءا من هذا الأب الذي استغل الأم وأخذ منها ما أخذ ثم تركها تواجه عواقب هذا الفعل وحدها وتعاني من آثاره هي وابنها مستندا في ذلك إلى نصوص قانونية تحميه في الدنيا ولا تنفعه في الآخرة، كما أن هذا الطفل قد يعوق زواج أمه ويصبح عقبة في طريق حياتها.

من أبي؟

والسؤال المحير في هذا الموضوع هو: متى وكيف نخبر هذا الطفل عن نسبه؟

والإجابة تتوقف على عوامل كثيرة، ولكل حالة السيناريو المناسب لها، ولكن الخبرة أثبتت أنه من الأفضل إخبار الطفل فيما بين الثانية والرابعة من عمره بشكل بسيط يستوعبه عقله الصغير، فيقال له إن أباه قد ذهب بعيدا وإن من يقوم على رعايته يحبه ولن يتخلى عنه أبدا، وذلك حتى لا يعلم الطفل بحقيقة نسبه من خارج الأسرة، فيشعر عندئذ أن من يقومون على رعايته قد أخفوا عنه الحقيقة.

وليس من المفيد إخباره بتفاصيل الأمر لأن ذلك قد يؤدي إلى كراهيته للأب الذي غرر بأمه ثم تخلى عنها، ويؤدي إلى نظرة احتقار لأمه، كما يجب عدم تلفيق قصص وهمية، وإنما يكتفى -كما ذكرنا- بذكر أن الأب قد ذهب في سفر بعيد وربما لا يعود.

وبعض الأسر تؤجل ذلك حتى سن السابعة أو الثامنة حتى يستطيع الطفل استيعاب الموقف بشكل أفضل، وبعض الأسر تؤجل ذلك حتى يكبر الطفل ويصل إلى مرحلة الشباب ويصبح قادرا على الاستقلال والاعتماد على نفسه، وفي كل الحالات يجب مواجهة الآثار التي تترتب على معرفة الشخص بحقيقة نسبه ودعمه نفسيا حتى يتجاوز هذه المحنة.

رمزية الأب

أما بخصوص تسمية هذا الطفل، فأحيانا يعطى اسما اعتباريا غير محدد تختاره أمه كيفما اتفق، وفي أحيان أخرى يعطى اسم عائلة أمه، مع الوضع في الاعتبار المسائل الفقهية الخاصة بالتبني والميراث وغيرها.

وأم الطفل مجهول النسب تحتاج للرعاية والدعم من الناحية النفسية والاجتماعية حتى تستطيع أن تربي طفلها بشكل أقرب إلى الطبيعي. ويحتاج الطفل لمن يقوم بدور الأب البديل، وقد يقوم الجد أو الخال أو أحد الأقارب بهذا الدور لكي يعطي نموذج الأب، وهو نموذج ضروري من الناحية النفسية والتربوية، وغيابه يؤدي إلى خلل في البنيان النفسي للطفل.

ولا ننسى في كل الأحوال أن هذا الطفل جاء إلى الحياة بغير ذنب جناه، وأن من حقه أن ينعم بالحياة كأي طفل وأن تبذل كل الجهود لرعايته وتهيئة الظروف له كي ينشأ بشكل أقرب ما يكون للطبيعي رغم كل الظروف السلبية التي أحاطت بمقدمه ونشأته، وعلينا كمجتمع أن نحفظ له كرامته كإنسان وندعم هويته المهتزة أو المكسورة كلما أمكن ذلك، وألا نحاسبه على خطأ لم يرتكبه مصداقا لقوله تعالى: "وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى".

**بقلم د.محمد المهدي استشاري الطب النفسي - مستشار القسم الاجتماعي بشبكة "إسلام أون لاين ..
المصدر إسلام أون لاين نت

عائشة
12-10-2008, 03:54 PM
السلام عليكم
مؤلم جداً جداً الحديث في هذا الموضوع...ولكن من الضروري تسليط الضوء على هذه الشريحة من الإطفال...من المهم جداً أن تتغير المعاملة السيئة لهذه الشريحة من الإطفال..بالله ماهو ذنبهم إنهم يستحقون كل الحنان والحب والتعاطف..وياريت الإنسان يعود فعلاً انسان حقيقي ...من المهم أن تتغير معاملة هذه الشريحة من المجتمع وتفتح لهم كل الإبواب ليتربوا بشكل طبيعي مثلهم مثل الأطفال الآخرين...شكراً على هذا الموضوع.

ايمان احمد
12-10-2008, 09:32 PM
وعليكم السلام ورحمة الله

بالفعل أختي عائشة أن مجهولي النسب او اللقطاء يعيشون واقع مرير وحياتهم حزينة ومؤلمة انه يتم
من نوع خاص صنعه البشر فالأب والأم كلاهما مسئول ولكنهما يتنكران لدورهما الطبيعي ويهربان من
مسئوليتهما ويتركان وليدهما يدفع الثمن بعد ليلة عابثة يواجه مصير مجهول بمجموعة من الاسئلة قد
يظل حياته كلها أسيرا لها ومشاكل لاتنتهي ونظرة الناس القاسية يتحمل مجهول النسب كل هذا بدون ذنب جناه.وكما قلتي عائشة من المهم أن تتغير نظرة المجتمع لهذه الشريحة التي لاذنب لها وتفتح لهم الإبواب لكي يتربوا بشكل طبيعي مثلهم مثل الأطفال الآخرين..

مشكورة عزيزتي عائشة على المرور والتفاعل مع الموضوع
تحياتي ليك