المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم زواج المسيار


salahdread
03-07-2008, 02:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
أستاذي العزيز :
أود أن أستفسر عن حكم زواج المسيار وماهي شروط صحته ولماذا شرع ؟

الدكتور عبدالحكيم ابوزيان
10-08-2008, 02:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد،
فالزواج المسمى بزواج المسيار حقيقته زواج استكمل الشروط التي يصح بها عقد النكاح عند جمهور العلماء من اشتراط الولي، ورضا الزوجين، وشاهدي عدل وتعيين الزوجين.
وموضع الإشكال عند المانعين أو المتوقفين في زواج المسيار هو من ثلاث جهات:
أولاً: اشتراط إسقاط الزوجة بعض ما يجب لها من الحقوق كالنفقة، والقسم في حال التعدد.
ثانياً: عدم إعلان النكاح بل قد يصحبه تواص بكتمانه أو تواطؤ على ذلك.
ثالثاً: فوات كثير من مقاصد النكاح، وظهور بعض المشاكلات الاجتماعية نتيجة انتشار هذا النوع من الزواج في المجتمع.
لهذا وذاك كان للعلماء في حكم زواج المسيار ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن زواج المسيار زواج شرعي جائز مع الكراهة لمافيه من الإسراروهو مذهب أكثر أهل العلم.
القول الثاني: أن زواج المسيار لا يجوز، وبه قال جماعة من أهل العلم.
القول الثالث: التوقف في حكمه لما فيه من تجاذب أسباب الحل والحرمة.
يقول الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بكلية الشريعة جامعة دمشق: زواج المسيار زواج مكتمل الأركان حيث يوجد الإيجاب والقبول من الطرفين مع حضور الولي العدل وشاهدي عدل ثقات‏،‏ مسلمين بالغين عاقلين‏،‏ ولكن تتنازل المرأة عن شيئيين‏:‏ حقها في القَسْم‏(‏المبيت عندها دورياً بما يعادل زمن المبيت عند امرأة أخرى‏)‏ وحقها في النفقة‏، ‏ولابد من تسجيله عند الدولة حفاظاً على حقوق المرأة‏،‏ ويكره كتمانه كراهة شديدة‏.‏هذا الزواج وإن كان صحيحاً مشروعاً في الظاهر إلا أنه لا يحقق مقاصد الزواج الثابتة‏،‏والسكن والاطمئنان والإشراف على المنزل ونحو ذلك‏،‏ فهو في رأيي مكروه‏.‏
قال العلماء: وصورة هذا الزواج موجودة في القديم ، وفيه يَشترط الزوج على المرأة التي يرغب بالتزوج منها أن لا يقسم بينها وبين نسائه بالتساوي ، أو لا ينفق عليها ، أو لا يسكنها ، وقد يشترط أن يكون لها النهار دون الليل ، وهو ما يسمى " النهاريات " ، وقد تكون المرأة هي المبادرة بإسقاط حقوقها ، فقد تكون صاحبة مال ومسكن فتُسقطهما عنه ، وقد ترضى بالنهار دون الليل ، وقد ترضى بعدد أيام دون أيام ضرائرها ، وهذا هو المشهور في زماننا ممايُسمَّى بزواج المسيار المشتق من اليسر وعدم الكلفة حيث تسقط الزوجة بعض حقوقهاالمذكورة آنفاً .
وهذا الإسقاط للحقوق من كلا الطرفين لا يجعل النكاح محرَّماً ، وإن كرهه بعض أهل العلم لكنه لا يخرج عن الجواز من حيث شروطه وأركانه .
وفي " مصنف ابن أبي شيبة " ( 3 / 337 ) :عن الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح أنهما كانا لا يريان بأسا بتزويج النهاريات .وفي ( 3 / 338 ) :عن عامر الشعبي أنه سئل عن الرجل يكون له امرأة فيتزوج المرأة ، فيشترط لهذه يوماً ولهذه يومين ؟ قال : لا بأس به . انتهىوفي المرجع السابق ذَكَر أنه كرهه محمد بن سيرين ، وحماد بن أبي سليمان ، والزهري .وقد أفتى كثير من علمائنا المعاصرين بإباحته .
سئل الشيخ ابن باز رحمه الله:عن زواج المسيار ، وهذا الزواج هو أن يتزوج الرجل ثانية أو ثالثة أو رابعة ، وهذه الزوجة يكون عندها ظروف تجبرها على البقاء عند والديها أو أحدهما في بيتها ، فيذهب إليها زوجها في أوقات مختلفة تخضع لظروف كل منهما ، فما حكم الشريعة في مثل هذا الزواج ؟ .فأجاب - رحمه الله - :" لا حرج في ذلك إذا استوفى العقد الشروط المعتبرة شرعاً ، وهي وجود الولي ورضا الزوجين ، وحضور شاهدين عدلين على إجراء العقد ، وسلامة الزوجين من الموانع ؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج ) ؛ وقوله صلى الله عليه وسلم : ( المسلمون على شروطهم ) ، فإذا اتفق الزوجان على أن المرأة تبقى عند أهلها ، أو على أن القسم يكون لها نهاراً لا ليلاً ، أو في أيام معينة ، أو ليالي معينة : فلا بأس بذلك ، بشرط إعلان النكاح ، وعدم إخفائه " .
لكن لما أسيء استعماله من قبَل كثيرين توقف بعض أولئك العلماء الذين كانوا يفتون بجوازه ، توقفوا عن القول بالجواز.
والحقيقة أن هذا النكاح إذا توافرت شروطه المذكورة ولم يكن حالةً عامّةً تغطّي على الصورة المعتادة والسنة المعروفة للنكاح داخل المجتمعات المسلمة من وجوب النفقة والمبيت والسكن على الزوج، هو حل لكثير من مشكلات العنوسة التي تفشت في المجتمعات الإسلامية ، فلا يستطيع الرجل أن يلتزم بالقسْم بين نسائه ، أو لا يستطيع النفقة على زوجتين ، ويوجد من النساء من تملك مالاً ومسكناً وترغب في إعفاف نفسها ، فيأتيها الزوج في أيامٍ من الأسبوع ، أو في فترة من الشهر ، وقد يقدِّر الله بينهما من الألفة والعشرة وحسن الظروف ما يتغير حال زواجه منها إلى الأفضل ، فيقسم بالعدل ، وينفق عليها بنفسه ويسكنها .
وفيه أيضاً مفاسد لا تخفى من ترك السنة المعتادة شرعا في النكاح وقلبِها، ومن الاختلاف بعد وفاة الزوج على التركة ، ومن إخفائه وعدم إعلانه ، ومن التذرع بهذا الزواج من قبَل بعض المفسدين والمفسدات، فتكون علاقتهما محرَّمة ، ويسكنان بعيداً عن أعين الأقرباء والجيران ، فإذا رآهما أحد قالا : هذا زواج مسيار!.
فهو كما قال العلماء في أحسن أحواله مكروهٌ وخلاف الأولى بعد توافر شروط النكاح الصحيح فيه، ولم يكن حالةً عامّةً تغطّي على الصورة المعتادة والسنة المعروفة للنكاح من وجوب النفقة والمبيت والسكن على الزوج وكان الرجل محتاجاً إليه، وكانت مقاصد الطرفين منه العفة والتحصن من الفاحشة وغير ذلك من المقاصد الحسنة، وأعذار النّاس وحاجاتهم ومقاصدهم يعسر ضبطُها، وإنما الأمور بمقاصدها. والله أعلم.