المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التعلم من العدو


ابن عمر
30-06-2008, 01:07 PM
التعلم من العدو


رغم السخاء المالي الأمريكي نحو إسرائيل فإن أثرياء الأمة اليهودية في أركان الدنيا الأربعة هم الذين تولوا أمر تمويل مشروع الترسانة النووية الإسرائيلية بالكامل خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، فعلوا ذلك كاستجابة لقادة الطبقة الحاكمة الإسرائيلية بعد أن تأكد لأولئك القادة أن الولايات المتحدة قررت أن تنأى بنفسها تماماً عن المشروع خوفاً من رد فعل الاتحاد السوفييتي في إطار موازنات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي.
لذا فإن أثرياء اليهود تجاوبوا دون تردد مع نداء «الواجب القومي» لكي يمتلك «الوطن القومي» اليهودي السلاح الأشد ردعاً ضد الأمة العربية، الآن وبعد انقضاء 60 عاماً على إنشاء الدولة الإسرائيلية على أراضٍ عربية مغتصبة بقوة السلاح؛ ماذا نقول كعرب سوى إبداء الإعجاب بالأمة اليهودية وتضامنها؟
التعلم من العدو: هذا هو الدرس الأعظم الذي يمكن أن نستخلصه من محنة العقود الستة، فلو كان للأمة العربية أي حد أدنى من التضامن الناشئ عن إرادة الانتماء الصادق - على غرار ما لدى الأمة اليهودية - لما بقيت الدولة الإسرائيلية على قيد الحياة وسط المحيط العربي أكثر من ست سنوات.
الإرادة الغلابة تعني تجدد العزم رغم المحن والكوارث، كطائر الفينيق الأسطوري نفضت الأمة اليهودية بسرعة قياسية عن نفسها رماد البطش النازي، فشنت أقوى حملة اقتصادية - سياسية داخل المجتمع الأمريكي، وتمكنت خلال أقل من عشر سنوات من فرض سيطرة فولاذية على مؤسسات الطبقة الحاكمة الأمريكية، وبالتالي على توجهات وسياسات الحكم لصالح «الوطن القومي اليهودي» ليس لضمان بقائه فحسب؛ بل أيضاً لضمان تفوقه الإقليمي في العالم العربي والإسلامي.
شعوب الأمة العربية - بما فيها الشعب الفلسطيني - لا تملك مثل هذه الإرادة الغلابة، أجل يجوز أن يكون صحيحاً إلى حد ما أنه ما كان لتحيق هزيمة بالأمة العربية لولا التفوق الإسرائيلي في نوعية التسليح، لكن السبب الحقيقي الأعمق هو أن ما تعانيه الأمة العربية ليس «هزيمة» من الخارج وإنما «انهزام» في الداخل الذاتي.
ولتبين ملامح هذه الحالة انظر في ظاهرتين:
أولاً: استسلام الشعوب العربية للقهر الاستبدادي السلطوي على مدى عقود زمنية متصلة.
ثانياً: تبرع عناصر عديدة من النخب المثقفة العربية بالدفاع العلني عن السياسات والممارسات الأمريكية تجاه المنطقة، وتبرير هذه السياسات والممارسات على طريقة إلباس الباطل ثوب الحق، والحق ثوب الباطل، وذلك بفرض إشاعة روح التيئيس لترسيخ حالة الانهزام الذاتي في القلوب، وربما تكون هاتان الظاهرتان انعكاساً لانتشار «فلسفة» الخلاص الفردي التي تنشأ عن انحسار الشعور بالانتماء إلى الوطن فضلاً عن الانتماء إلى الأمة.
وصفوة القول هي: كيف نتحرر من السيطرة الأمريكية الإسرائيلية إذا لم نتحرر أولاً من عقدة الاستسلام للانهزام الذاتي؟

أحمد عمرابي