ابن عمر
26-06-2008, 11:56 AM
الإنسان أولا
( ... إن أهم عناصر النهضة والتقدم هو الإنسان الآمن الحر, أي الإنسان الذي يتمتع بحقوقهالآدمية في الحياة حرا.. مكرما .. آمنا على نفسه .
إن الحيواناتالعليا لا تنجب وهي أسيرة في الأقفاص , أو مساحة محدودة مسورة من الأرض , وإذا أنجبتلا يكون الناتج في مستوى الحيوان الحر الطليق . وهى حقيقة يدركها أبناء السواحل منأمثالنا , فطعم طائر السمَّان البري ألذ بكثير من طعم السمان المربَّى في المزارع , مع وفرة طعامه وشرابه . والوصف صحيح أيضا في سمك البحر والبحيرة والنهر من ناحيةوسمك المزارع الصناعية من ناحية أخرى.
ومن الحقائق التي لا تُدفع " أن المهمة الكبرى للإسلام هي أنه جاءللتحرير " :
- تحرير الإنسانمن عبادة غير الله إلى عبادة الواحد العادل القهار.
- وتحريره منالموبقات والأغراض الدنيا من طمع وحقد وأنانية .
- وتحريره منالجهل والنزوع إلى الشهوة والتخريب .
أي تحقيق الحريةبأوسع معانيها على مستوى العيش والمعايشة ، بالنسبة للإنسان , بل بالنسبة للحيوانأيضا . وصدق عمر بن الخطاب حينما قال كلمته التارخية الخالدة : متى استعبدتم الناسوقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟؟!! .
وقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم – وهو الصادق المصدوق – " عذبت امرأة فيهرة حبستها ، فلا هي أطعمتها ، ولا هى تركتها تأكل من خشاش ( حشرات ) الأرض ".
وينقل لنا التاريخأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يزحف بجيش المسلمين من المدينة إلى مكة لفتحهارأى (كلبة) تُرضع أولادها، فخشى أن يَسحقها الزاحفون دون أن يشعروا، فأمر "جعيل بنسراقة" أن يقوم حذاءها ؛ حتى لا يعْرِض لها أو لأولادها أحد من الجيش ، وأمرالمسلمين أن يدخلوا مكة بروح الموادعة والرحمة والمسالمة بلا قتال .
والقرآن الكريم لايذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتيالإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعهامؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحثفيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجرعليه.
وبهذا المفهومالشامل للعقل، تحريرًا له من الجمود والتوقف والتخلف عن التفاعل الحي مع ما يرى منمظاهر الكون والحياة، دعا الإسلام إلى النظر والتفكير والتأمل، ونعى على الذين لايفكرون، ولا يتأملون خلق الله، ولا يعملون عقولهم خلوصًا إلى اليقين ( وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْأَفَلَا تُبْصِرُونَ ) )مَاخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّوَأَجَلٍ مُسَمًّى )
وفي عشرات منالآيات القرآنية، بل مئات منها تتكرر كلمة "العقل" وما ارتبط بها من ألفاظ "الفقه" و"العلم" و"التفكير" على النحو الآتي:
أ ـ "عقل" ومشتقاتها ( عقلوه ـ تعقلون ـ تعقل .. الخ) ذكرت 48 مرة.
ب ـ "علم" ومشتقاتها (علم ـ يعلم ـ يعلمون .. الخ ) ذكرت 866 مرة.
جـ ـ "فقه" ومشتقاتها ( تفقهون ـ تفقه ـ يفقهوا ـ يفقهوه .. الخ ) ذكرت 20مرة.
د ـ "فكر" ومشتقاتها ( فكر ـ تتفكروا ـ يتفكرون ... الخ ) ذكرت 87 مرة.
هـ ـ "وعي" ومشتقاتها ( تعيها ـ أوعى ـ واعية ... الخ ) ذكرت 4 مرات.
ومجموع هذه الموادالتي ذكرتها 1043 ( ثلاث وأربعون وألف) لفظة، وكلها تدور على تقدير القرآن للعقلوالنظر والتفكير. وهذه المواد التي عرضنا لها هي المواد المباشرة، وهناك مئات منالألفاظ تدور حول العقل والتفكير بطريقة غير مباشرة لم نعرضلها.
والإسلام يقررللإنسان أن يفكر فيما شاء كما يشاء وهو آمن من التعرض للعقاب على هذا التفكير، ولوفكر في إتيان أعمال تحرمها الشريعة، والعلة في ذلك أن الشريعة لا تعاقب الإنسان علىأحاديث نفسه، ولا تؤاخذه على ما يفكر فيه من قول أو فعل محرم، وإنما تؤاخذه على ماأتاه من قول أو فعل محرم، وذلك معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أوتتكلم".
والإنسان المكبلبالشعور بالخوف المهدد في دينه وعرضه ورزقه لا ينتج ، وإذا أنتج فلن يأتي إنتاجه علىمستوى طيب, وهنا تظهر اللامبالاة والسلبية والشعور بالإحباط ؛ فحكام من الطواغيتمشغولون عنه بذواتهم , والتمسك بكراسيهم , والتمكين لأنفسهم ولحوارييهم وأسرهموأبنائهم . فلا عجب إذن إذا جاءت الإحصائيات العالمية تؤكد أن متوسط إنتاج العاملالمصري في عهد الميمونة لا يزيد على 28 دقيقة في اليوم , ولم لا ؟ وقد رأينا كيفيجند الكبار جدا العمال بالآلاف لمنح أصواتهم عدة مرات ببطاقات مزورة قد تصل إلى ستبطاقات للفرد , وذلك طبعا لصالح مرشح الحكومة , وكذلك للخروج للاستقبالات , وحضورمظاهرات بالروح بالدم ..
وأذكر في هذاالسياق ما قرأته في أحد الكتب عن "ماوتسى تونج" أنه بعد وفاته قررت الحكومة الصينيةإعلان الحداد بتوقف العمل في كل أنحاء الصين لمدة أربع دقائق.... نعم أربع دقائقفقط , بعدها نشر أن هذه الدقائق الأربع تحقق خسارة قدرها 120 مليون دولار للاقتصادالصينى .
لقد خلق اللهالإنسان وكرمه وسخر له ما في الأرض جميعا وجعل حياته متوقفة على تحقيق أمرين :
الأول : إشباعالحاجات المادية من طعام وشراب وملبس ومسكن .
والثاني: إشباعالحاجات النفسية كالشعور بالطمأنينة والأمان والاستقرار والسلام .
وهذا ما عبرت عنهسورة من أقصر السور المكية وهى سورة قريش يقول تعالى "لإيلافقريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهممن خوف" .
والنظر المتأني في هذه السورة يقودنا إلى تبين الحقائق الآتية :
1- أن المذكوراتفيها جاءت على سبيل التمثيل لا الحصر , فذكر الطعام جاء تمثيلا للحاجات المادية , وذكر الأمان والشعور بالطمأنينة جاء تمثيلا للحاجات النفسية ؛لأن هناك آيات أخرىذكرت نعما متعددة كالماء والزراعة والبحر وسيلة للتنقل ومصدرا للطعام والحلي .
2- أن الآيات ربطتبين تحقيق هذه الحاجات وبين العمل والسعي والتنقل وذلك على سبيل الإشارة إلى رحلةالشتاء والصيف
3- أن الآيات ربطتهاتين النعمتين المادية والنفسية بقيمة عليا هي العبادة .. عبادة الله دون سواه , ويستأنس لهذه القيمة بان الله سبحانه وتعالى قد جعل البيت مثابة وأمنا .
ومن ثميكون العدوان على الإنسان بحرمانه من حقوقه الطبيعية في الحياة... المادي منهاوالنفسي يعد عدوانا على الدين والوطن , وحكما على الشعب بالتخلف والتوقف , بلعدوانا على السنن الكونية وطبيعة الأشياء .
إنها دعوة لحكامنابان يشعروا المواطن بأنه يتمتع بالآدمية , وحق المواطنة في ظلال الشورى والعدلوالديمقراطية .)
د. جابر قميحة
( ... إن أهم عناصر النهضة والتقدم هو الإنسان الآمن الحر, أي الإنسان الذي يتمتع بحقوقهالآدمية في الحياة حرا.. مكرما .. آمنا على نفسه .
إن الحيواناتالعليا لا تنجب وهي أسيرة في الأقفاص , أو مساحة محدودة مسورة من الأرض , وإذا أنجبتلا يكون الناتج في مستوى الحيوان الحر الطليق . وهى حقيقة يدركها أبناء السواحل منأمثالنا , فطعم طائر السمَّان البري ألذ بكثير من طعم السمان المربَّى في المزارع , مع وفرة طعامه وشرابه . والوصف صحيح أيضا في سمك البحر والبحيرة والنهر من ناحيةوسمك المزارع الصناعية من ناحية أخرى.
ومن الحقائق التي لا تُدفع " أن المهمة الكبرى للإسلام هي أنه جاءللتحرير " :
- تحرير الإنسانمن عبادة غير الله إلى عبادة الواحد العادل القهار.
- وتحريره منالموبقات والأغراض الدنيا من طمع وحقد وأنانية .
- وتحريره منالجهل والنزوع إلى الشهوة والتخريب .
أي تحقيق الحريةبأوسع معانيها على مستوى العيش والمعايشة ، بالنسبة للإنسان , بل بالنسبة للحيوانأيضا . وصدق عمر بن الخطاب حينما قال كلمته التارخية الخالدة : متى استعبدتم الناسوقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟؟!! .
وقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم – وهو الصادق المصدوق – " عذبت امرأة فيهرة حبستها ، فلا هي أطعمتها ، ولا هى تركتها تأكل من خشاش ( حشرات ) الأرض ".
وينقل لنا التاريخأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يزحف بجيش المسلمين من المدينة إلى مكة لفتحهارأى (كلبة) تُرضع أولادها، فخشى أن يَسحقها الزاحفون دون أن يشعروا، فأمر "جعيل بنسراقة" أن يقوم حذاءها ؛ حتى لا يعْرِض لها أو لأولادها أحد من الجيش ، وأمرالمسلمين أن يدخلوا مكة بروح الموادعة والرحمة والمسالمة بلا قتال .
والقرآن الكريم لايذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتيالإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعهامؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحثفيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجرعليه.
وبهذا المفهومالشامل للعقل، تحريرًا له من الجمود والتوقف والتخلف عن التفاعل الحي مع ما يرى منمظاهر الكون والحياة، دعا الإسلام إلى النظر والتفكير والتأمل، ونعى على الذين لايفكرون، ولا يتأملون خلق الله، ولا يعملون عقولهم خلوصًا إلى اليقين ( وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْأَفَلَا تُبْصِرُونَ ) )مَاخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّوَأَجَلٍ مُسَمًّى )
وفي عشرات منالآيات القرآنية، بل مئات منها تتكرر كلمة "العقل" وما ارتبط بها من ألفاظ "الفقه" و"العلم" و"التفكير" على النحو الآتي:
أ ـ "عقل" ومشتقاتها ( عقلوه ـ تعقلون ـ تعقل .. الخ) ذكرت 48 مرة.
ب ـ "علم" ومشتقاتها (علم ـ يعلم ـ يعلمون .. الخ ) ذكرت 866 مرة.
جـ ـ "فقه" ومشتقاتها ( تفقهون ـ تفقه ـ يفقهوا ـ يفقهوه .. الخ ) ذكرت 20مرة.
د ـ "فكر" ومشتقاتها ( فكر ـ تتفكروا ـ يتفكرون ... الخ ) ذكرت 87 مرة.
هـ ـ "وعي" ومشتقاتها ( تعيها ـ أوعى ـ واعية ... الخ ) ذكرت 4 مرات.
ومجموع هذه الموادالتي ذكرتها 1043 ( ثلاث وأربعون وألف) لفظة، وكلها تدور على تقدير القرآن للعقلوالنظر والتفكير. وهذه المواد التي عرضنا لها هي المواد المباشرة، وهناك مئات منالألفاظ تدور حول العقل والتفكير بطريقة غير مباشرة لم نعرضلها.
والإسلام يقررللإنسان أن يفكر فيما شاء كما يشاء وهو آمن من التعرض للعقاب على هذا التفكير، ولوفكر في إتيان أعمال تحرمها الشريعة، والعلة في ذلك أن الشريعة لا تعاقب الإنسان علىأحاديث نفسه، ولا تؤاخذه على ما يفكر فيه من قول أو فعل محرم، وإنما تؤاخذه على ماأتاه من قول أو فعل محرم، وذلك معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أوتتكلم".
والإنسان المكبلبالشعور بالخوف المهدد في دينه وعرضه ورزقه لا ينتج ، وإذا أنتج فلن يأتي إنتاجه علىمستوى طيب, وهنا تظهر اللامبالاة والسلبية والشعور بالإحباط ؛ فحكام من الطواغيتمشغولون عنه بذواتهم , والتمسك بكراسيهم , والتمكين لأنفسهم ولحوارييهم وأسرهموأبنائهم . فلا عجب إذن إذا جاءت الإحصائيات العالمية تؤكد أن متوسط إنتاج العاملالمصري في عهد الميمونة لا يزيد على 28 دقيقة في اليوم , ولم لا ؟ وقد رأينا كيفيجند الكبار جدا العمال بالآلاف لمنح أصواتهم عدة مرات ببطاقات مزورة قد تصل إلى ستبطاقات للفرد , وذلك طبعا لصالح مرشح الحكومة , وكذلك للخروج للاستقبالات , وحضورمظاهرات بالروح بالدم ..
وأذكر في هذاالسياق ما قرأته في أحد الكتب عن "ماوتسى تونج" أنه بعد وفاته قررت الحكومة الصينيةإعلان الحداد بتوقف العمل في كل أنحاء الصين لمدة أربع دقائق.... نعم أربع دقائقفقط , بعدها نشر أن هذه الدقائق الأربع تحقق خسارة قدرها 120 مليون دولار للاقتصادالصينى .
لقد خلق اللهالإنسان وكرمه وسخر له ما في الأرض جميعا وجعل حياته متوقفة على تحقيق أمرين :
الأول : إشباعالحاجات المادية من طعام وشراب وملبس ومسكن .
والثاني: إشباعالحاجات النفسية كالشعور بالطمأنينة والأمان والاستقرار والسلام .
وهذا ما عبرت عنهسورة من أقصر السور المكية وهى سورة قريش يقول تعالى "لإيلافقريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهممن خوف" .
والنظر المتأني في هذه السورة يقودنا إلى تبين الحقائق الآتية :
1- أن المذكوراتفيها جاءت على سبيل التمثيل لا الحصر , فذكر الطعام جاء تمثيلا للحاجات المادية , وذكر الأمان والشعور بالطمأنينة جاء تمثيلا للحاجات النفسية ؛لأن هناك آيات أخرىذكرت نعما متعددة كالماء والزراعة والبحر وسيلة للتنقل ومصدرا للطعام والحلي .
2- أن الآيات ربطتبين تحقيق هذه الحاجات وبين العمل والسعي والتنقل وذلك على سبيل الإشارة إلى رحلةالشتاء والصيف
3- أن الآيات ربطتهاتين النعمتين المادية والنفسية بقيمة عليا هي العبادة .. عبادة الله دون سواه , ويستأنس لهذه القيمة بان الله سبحانه وتعالى قد جعل البيت مثابة وأمنا .
ومن ثميكون العدوان على الإنسان بحرمانه من حقوقه الطبيعية في الحياة... المادي منهاوالنفسي يعد عدوانا على الدين والوطن , وحكما على الشعب بالتخلف والتوقف , بلعدوانا على السنن الكونية وطبيعة الأشياء .
إنها دعوة لحكامنابان يشعروا المواطن بأنه يتمتع بالآدمية , وحق المواطنة في ظلال الشورى والعدلوالديمقراطية .)
د. جابر قميحة