المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إذاصح الحديث فهو مذهبي


الدكتور عبدالحكيم ابوزيان
22-05-2008, 11:53 PM
إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي
كلمةٌ هي لسانُ حال كلِّ مسلم عقَل معنى لا إله إلا اللهُ،وقد سار على هديها أئمةٌ مشهورون،وتوارثتها عنهم الأجيال كابراً عن كابرٍ،فلا ينازع فيها إلاَّ كلُّ جاحدٍ مكابر.
لكنَّ فهمَ هذه الجملة ربما استعصى على كثيرٍ ممن ساقها في غير سياقها،بعد إغفاله لسباقها ولحاقها،و إلا لحكمنا على الأئمَّة الأعلام بالجهل المطبق بالسُّنَّة الصَّحيحة،إن لم نتهمهم بمحاربتها والإعراضِ عنها،بعد علمهم بصحَّتها،وهذه أقبح من سابقتها،وحاشاهم ذلك..
بل نحن أولى باتِّهام أنفسنا بالتَّقصير في فهم المراد من هذه الجملة،بتحميلها مالا تحتمله من المغالطة والتَّشويش جهلاً أو عمداً،أو تعصُّباً أو تحاملاً مبالَغاً فيه على المخالفين من المجتهدين،وكلُّ من درس أصول الفقه،وضوابطَ الإفتاء،وأسبابَ اختلاف العلماء،يعرف جيِّداً حقيقةَ هذه الجملة،ومقصدَها الذي ترمي إليه،لكنَّ المعنى الحقيقيُّ قد يُخفَى أو يَخفى على أنصاف المتعلِّمين،أو بعض المتعالمين،ولذا قال ابنُ عيينة،والليثُ بنُ سعد،الجملة المشهورة:"الحديثُ مَضِلَّةٌ إلا للفقهاء".مع التَّسليم الكامل،بأنَّ العالم المؤهَّل قد يفوته شيءٌ من الأخبار الصَّحيحة،أو يزْورُّ فهمُه لها،فيحتجب عنه شيءٌ من الحقِّ عن غير قصدٍ . ولا ملامةَ حيثُ كان مستوفياً لشرائط النَّظر،لأنَّه اكتسب حصانةً عن المحاسبة،ببلوغه درجةَ التَّأهُّل والاجتهاد.
" إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي" هذا أصلٌ لا نزاع فيه بين المسلمين،لأنَّ السُّنَّة هي المصدرُ الثَّاني من مصادر التَّشريع الإسلاميِّ،عند الجميع بلا منازع،فهي مقدَّمةٌ على القياس والإجماع،وغيرها من الأصول الأخرى،بل إنَّ الأصول الأخرى لا يعتدُّ بها إلا إذا استندت إلى الكتاب أو السُّنَّة.
ولكن يبقى بعد الاتِّفاق على هذا الأصل اختلافُ الأفهام والتَّفسيرات،التي تؤثِّر في الجانب التَّطبيقي لهذا الأصل المجمع عليه،ممَّا يعكس اختلافَ الأفهام لا النُّصوص،وقد يكون اختلاف الأقوال ليس نتيجةً لاختلاف النُّصوص أو الأفهام،وإنما لاختلاف العوامل المؤثِّرة في تأسيس الفُتيا الشَّرعيَّة،بعد تنقيح مناطها، وتحقيقه،مما يعرفه المتخصِّصون دون غيرهم من أصحاب النَّظرات المستعجلة،وغير المتأنِّية!.
إنَّ من أوجب الواجبات الاعتقادَ بأنَّ كلَّ من بلغه من هؤلاء الأئمَّة إسنادٌ عن رسول الله  فليس له الإعراضُ عنه،وحاشاه ذلك.
وهذا ما أكَّده شيخُ الإسلام،حين قال:"وليُعلَم أنَّه ليس أحدٌ من الأئمَّة المقبولين عند الأمَّة قبولا عامًّا ــ وتأمَّلْ قولَه (قبولاً عامًّا) ــ يتعمَّد مخالفةَ رسول اللهفي شيء من سنَّته،دقيقٍٍ ولا جليلٍٍ،ولكنْ إذا وُجد لواحد منهم قولٌ،قد جاء حديثٌ صحيحٌ بخلافه،فلابدَّ من عذرٍ في تركه".
إنَّ علم الجرح والتَّعديل مرتعٌ واسعٌ للاجتهاد،تتفاوت فيه مناهجُ الأئمَّة ،تشديدًا وتساهلاً،وتوسيطاً،وهو أمرٌ مشهورٌ ومعروفٌ عند من له أدنى اطِّلاع بمناهج النُّقَّاد في هذا المضمار،ولذا قال الذَّهبيُّ في مقدِّمة تذكرته:" هذه تذكرةٌ بأسماء معدَّلي حملة العلم النَّبويِّ ومن يُرجَع إلى اجتهادهم في التَّوثيق والتَّضعيف،والتَّصحيح والتَّزييف.." وفيه تصريحٌ بأنَّ توثيق الرِّجال وتضعيفَهم،وتصحيح الأحاديث وتزييفَها أمرٌ نسبىٌّ،وعملٌ اجتهاديٌّ،يحتمل الاختلاف،وعلى هذا سار أئمَّة العلم كالحافظ في الفصل التَّاسع من مقدِّمة الفتح،والنَّوويِّ في مقدِّمة المنهاج..
وتحت دائرة الضَّوء هذه يمكننا أن نعرف مراد الأئمَّة من قولهم:"إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي"أي:إذا سلم من كافَّة العلل الموجبة لعدم الأخذ به سندًا ومتنًا،درايةً وروايةً،وسار على وفاق الضَّوابط التي وضعها ذلك الإمامُ في العمل به،فهو مذهبُه على احتمال أنَّه قد فاته التنبُّهُ له..وحتى مع فرضيَّة صحَّة الحديث،فإنَّه لابدَّ من سلامته من المعارض الأقوى منه،ومن النَّسخ،أو التَّأويل بدليلٍ آخرَ،يجعل العمل بظاهره أمراً مرجوحاً.
وقد نبَّه إلى هذا المعنى الدَّقيق صاحبُ رفع الملام،عندما عدَّد الأسباب التي دعت بعضَ العلماء إلى ترك الحديث،والتي من بينها:اعتقادُ ضعف الحديث باجتهادٍ قد خالفه فيه غيرُه،حيث كان المحدِّث بالحديث يعتقدُه أحدُهما ضعيفًا،ويعتقدُه الآخرُ ثقةً قائلاً:"ومعرفةُ الرِّجال علمٌ واسعٌ".
فليس المعنى إذًا كما يعتقد بعضُ المقلِّدين أنَّه إذا صحَّ الحديثُ وفقَ اجتهادِ شيخِه و مَن قلَّده دينَه أنَّه هو الحقُّ،ملغياً اجتهادَ غيره فيه،ومتَّهماً كلَّ من خالفه بردِّ السُّنَّة،وسوء النيَّة، مستعملا لهذه الجملة في غير موردها،غافلا عن حقيقة أنَّ الاجتهاد في علم الرِّجال، ونقدِ المتون،مهيعٌ واسعٌ،وميدانٌ فسيحٌ،تبارى فيه العلماء،وتفاوتت فيه اجتهاداتُهم،تماماً كاختلافهم في فروع الفقه والاجتهاد،المترتِّب عن اختلافهم في قراءة نصوص الشَّريعة،وفق الضَّوابط ،والأصول المقرَّرة.
يقول النَّوويُّ منبِّهاً إلى هذا الخطإ:"..وكان جماعةٌ من متقدِّمي أصحابنا إذا رأوا مسألةً فيها حديثٌ،ومذهبُ الشَّافعيِّ على خلافه،عملوا بالحديث،وأفتوا به قائلين: مذهبُ الشَّافعيِّ ما وافق الحديثَ! وهذا الذي قاله الشَّافعيُّ ــ يعنى:إذا صحَّ...إلخ ــ ليس معناه أنَّ كلَّ واحدٍ رأى حديثاً صحيحاً،قال:هذا مذهبُ الشَّافعيِّ،وعمل بظاهره،وإنما هذا فيمن له رتبةُ الاجتهادِ في المذهب،ويشترَط فيه أن يغلبَ على ظنِّه أنَّ الشَّافعيَّ لم يعلم صحَّةَ ذلك الحديثِ،أولم يبلغْه،وهذا شرطٌ صعبٌ،قلَّ من يتَّصفُ به،لأنَّ الشَّافعيَّ ترك العملَ بظاهرِ أحاديثَ كثيرةٍ،رآها وعلمَها،ولكنْ قام الدَّليلُ عنده على طعنٍ فيها أو نسخها أو تأويلها،أو نحو ذلك ــ انتهى كلامُ النَّووي ــ .
كما علَّق ابنُ الصَّلاح على قول الشَّافعي هذا ــ إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي ــ بقوله:" ليس العملُ بظاهر ما قاله الشَّافعيُّ بالهيِّن،فليس كلُّ فقيهٍ يسُوغ له أن يستقلَّ بالعمل بما يراه حجَّةً من الحديث.."فتأمَّل ــ يرحمك الله ــ قوله"كلُّ فقيهٍ"وقبله قولَ النَّووي"متقدِّمي أصحابنا" ثمَّ قارنْ بمن يسوّغ للعامَّة العمل بل الإفتاء بما يقع تحت أيديهم من أحاديث صحَّت عنده،ربما ضعُفت عند غيره،وتركِ أحاديث ضعفت لديه ربما كانت صحيحةً عند سواه،رامياً من نكص عن تقليده،وعمل بغير اجتهاده بالتُّهم الجائرة، ومصرِّحاً بأنَّ الأئمَّة الذين نقلت عنهم تلك الجملةُ لو كانوا أحياءً ما وسعهم إلا اتِّباعُه وتقليدُه!!
وهذا ما أعطى الانطباع السَّيئ والنَّظرة السَّوداويَّة المحضة،والممتلئة بالكثير من التَّشاؤم والحذر لدى بعض الشَّباب تُجاه الموروث الفقهي بشكلٍ عامٍّ،بل أفرز جيلاً من المتعاطفين مع قضيَّة تجديد الاجتهاد الفقهي،بكلِّ ما تحمله من مزايا وتعجُّ به من عيوب،والتي من أبرزها فرضُ رؤيةٍ قسْريَّةٍ على قراءة النُّصوص،واستنطاق الأدلَّة،في إطار أحاديِّ النَّظرة،لا يقبل التَّلاقح،كمالا يترك امتدادًا فسيحاً،يواصلُ به اللاحقُ البناء على السَّابق،ويسمح بتعدُّد الاجتهادات،المفرِزة لاختلاف التَّنوُّع،وهكذا وبموجب هذه النَّظرة القاسية،والرَّغبة الجامحة في إقصاء الآخر،والتي تتبنَّاها ــ وللأسف ــ العديدُ من الطَّوائف والنِّحل،أصبحت مهمَّةُ المجتهد داخلَ هذه الدَّوائر هو البحثَ عن تبرير مواقف الحزب أو المذهب،أو الطَّائفة،أو المنهج،وإقصاء ماعداه خارج تلك الدَّائرة الضَّيِّقة،لتزدحم هذه الدَّائرة الضَّيِّقةُ بعد حينٍ بأتباعها،ومن ثَمَّ تتوالد الأفكار الصِّداميَّة والإقصائيَّة،والانشطاريَّة،لتنقسم تلك الدَّائرة إلى دوائرَ صغيرة،وكتَلٍٍ هزيلةٍ،مرَّةً أخرى،وهكذا دواليْك....
إنَّ هذه الجملةَ تُعَدُّ بحقٍّ أصلاً عظيماً،وفيصلاً حاسماً ، وحساماً صارماً،يجب أن يحتكم إليه الجميعُ مع التَّحقُّق بمرادها ،والتَّفقُّه لمعناها ولا ضيرَ بعد ذلك أن يختلف النَّاسُ في نتائج تطبيقاتها طالما كانت هي دينَهم وديدنَهم،والأصلَ الذي يجمعُهم.