عائشة
24-04-2008, 08:22 PM
يمكن تحديد الحريات الأساسية بالتالي:
1 – حرية العقيدة والاعتقاد.
2 – حرية الفكر.
3 – حرية الاختلاف.
4 – حرية السؤال، وحرية المجادلة، وحرية المناقشة، وحرية إبداء الرأي، وحرية الاجتهاد، وواجب الشورى.
5 – حق العمل، وحق المرء في سؤال دولته تقديم خدمات لـه.
6 – حق التنقل والانتقال.
7 – حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات والنقابات والشركات.
8 – سلامة البدن وحق الأمن، وحرمة المسكن وسرية المراسلات.
وهناك حريتان إضافيتان، أضافهما الإسلام إلى حريات الفرد والجماعة، وهما:
9 – حرية الدعاء وحق الاستجابة.
10 – حق الخطأ وحق المغفرة – واجب الاجتهاد وأجر المحاولة.
فأي تلك الحريات يخالف الشرع أحكاماً ومقاصد؟
الحرية هي الأمانة.. محاولة اجتهادية
الآية القرآنية التي توضح الصورة المهيبة لموقف العرض الإلهي من قبل الحق -تبارك وتعالى- على الكائنات للأمانة، حين قال تعالى:
{ِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} (5).
تدلنا على أن المقصود بالأمانة في هذه الآية الكريمة هو الحرية؛ فالأمانة ليست محض التكليف بل هي الحرية المتأسسة على تميز الإنسان بالعقل والتي هي مناط التكليف.
وقد اختلف المفسرون في شرح وبيان هذه الآية، فقال الإمام الزمخشري(6): "وهو يريد بالأمانة الطاعة، فعظّم أمرها وَفَخَّمَ شأنها .. وعرْضها (أي الأمانة) على الجمادات وإبائها وإشفاقها مجاز..."، ثم يقول: "إن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه وثـقل محمله، أنه عُرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواها وأشدها أن تتحمله وتستقل به، فأبت حمله أو الاستقلال به، وأشفقت منه، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته، حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها".
وقال الفخر الرازي:
"هي التكليف..."(7).
وقال الإمام ابن كثير: "قال العوفي عن ابن عباس: يعني بالأمانة (الطاعة)، عرضها الله -تعالى- عليهم (أي على السماوات والأرض والجبال)، قبل أن يعرضها على آدم، فلم يطقنها، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحملها فذلك قولـه – تعالى.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة (الفرائض)، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك، وأشفقوا عليه من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله ألا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها... وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جُبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي (الفرائض)، وقال آخرون: هي (الطاعة)»(8).
تتلخص أقوال المفسرين السابق بيانها، وغيرهم ممن لم نذكره فيما يلي:
· إن الأمانة هي التكليف أو الطاعات أو الفرائض أو قبول الأوامر والنواهي بشرطها.
· إن الإنسان قد ظلم نفسه بحمله لهذه الأمانة؛ لأنه تحمل ما لا يطيق جهلاً منه بطاقته.
وبذلك يمكن القول إن إجماع المفسرين على أن الأمانة هي (التكليف)، ويؤكد ذلك الأستاذ العقاد في قولـه: "ولقد وضح معنى الأمانة وضوحًا لا يقبل اللبس أو الانحراف بالفهم عن جوهره المقصود، وهو (التكليف)، فمن لم يذكره من المفسرين بنصه، ذكره بمقتضياته ومتعلقاته، وهى ملازمة لـه لا تنفك عنه"(9). ونلاحظ أيضًا أن المفسرين قد خلطوا في أقوالهم بين أساس التعاقد وهو (التكليف)، وبين شروط هذا التكليف مثل (الطاعة)، فأطلقوا اسم (الطاعات) على التكليف، فأصبح شرط التعاقد (الطاعة) اسمًا لأساس التعاقد (التكليف). كما أنهم لم يذكروا الشرط الآخر وهو (الحرية) صراحة، بل ألمحوا إليه بالقول: (إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت)، فلم تذكر هنا الحرية صراحة، ولكن عوضًا عن ذلك أشير إليها بذكر القدرة على الاختيار بين البدائل.
لكن التكليف ليس بالأمر القابل للعرض، ناهيك عن القبول أو الرفض من المخلوقات، حيث هو أساس خلق هذه الكائنات، فيمتنع لدينا قبول تفسير الأمانة بأنها التكليف. ويكون المقبول أن الأمانة التي عرضت على الكائنات في هذه الآية هي قبول أو رفض شرطي التكليف ابتداء وهما الطاعة والحرية، وليس التكليف ذاته. وحيث إن السماوات والأرض هي كائنات قد جبلت على الطاعة لقوله – تعالى- : {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (10)،
ما يعني أنها مخلوقات لا تعرف إلا أن تكون طائعة، ولا تقدر إلا على فعل الطاعة؛ لأنها مفطورة عليها، فيصبح عرض الأمانة بمعنى (الطاعة) لا محل لـه، حيث لا محل لأن تعرض اختيار أمر على من لا يملك أن يرفضه، فلا يبقى لنا إلا شرط (الحرية)، ما يعني أن الأمانة التي عرضت على الكائنات هي الحرية، حرية الاختيار بين البدائل، أن تملك القدرة على الفعل والترك، القدرة على أن تقوم بواجبات التكليف، والقدرة على ترك هذه الواجبات، بل أن تمنعها حتى من الحدوث، مع تمام المعرفة بثواب الفعل، والعقاب على الترك. ويصبح هنا من المفهوم أن السماوات والأرض والجبال قد رفضن تحمل هذه المسئولية الجسيمة، وخفن من التبعات الهائلة المترتبة على القدرة على الاختيار بين البدائل، وكان لها ما أرادت، وفى ذلك يقول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية نفسها عن رفض السماوات والأرض: «لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قولـه -تعالى-: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}(11).
من وجهين: أحدهما أن هناك السجود كان فرضًا، وها هنا الأمانة كانت عرضًا، وثانيهما أن الإباء كان هناك استكبارًا، وها هنا استصغارًا: استصغرن أنفسهن بدليل قولـه تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}(12)».
لكن المسئولية جسيمة فلِم حملها الإنسان؟؟
الإنسان ذلك الكائن المكلف الفريد هو الذي قبل بتحمل مسئولية الحرية والقدرة على الاختيار، وبذلك أصبح الكائن المكلف الحر المختار. ولو دققنا النظر في هذه الآية لوجدنا من سياق الآية أن الأمانة لم تعرض في الأساس على الإنسان، وهي نقطة تثير الانتباه والدهشة، وكأن الحق -تبارك وتعالى- يخبرنا أن الإنسان، ذلك الكائن المتفرد، قد تقدم من تلقاء نفسه، من بين صفوف المخلوقات طالبًا لها دون أن تعرض عليه، ولذلك فقد استحقها وفاز بها؛ لأنه لا يستحق الحرية إلا من يتشوّف إليها، ولا يفوز بها إلا من يعشقها ويرغب فيها ويطلبها. هل يمكن القول إن الإنسان قد مارس الحرية في الحصول على الحرية؟ فالحرية اكتمال للمعنى الإنساني ونفي للجهالة، وإذا كان الأمر كذلك – وهو في زعمي كذلك– فكيف يستقيم أن يوصف الإنسان، الذي حمل شعلة الحرية المقدسة، بأنه ظالم لنفسه جاهل لطاقته، بحمله لأمانة الحرية، أو أنه تحمل ما لا طاقة لـه به، وقاده جهله إلى حمل ما يثقل كاهله. هل من المعقول أو المقبول أن الخالق العظيم، الرءوف الرحيم، الذي سبق حبه لخلقه حبهم إياه، والذي لا يقول لمن يدير إليه ظهره من خلقه، ناكرًا مستكبرًا موغلاً في الخصومة، لا يقول لـه إلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(13).
- انظروا إلى رقة التعبير – فالعلاقة قائمة على المحبة، وبها فقط تستمر أو تنقطع، وهو الله الذي حرم الظلم على نفسه {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (14)، وجعله بين الناس محرمًا، أن يعرض على الإنسان شيئًا لا يطيقه، ثم يصف الإنسان بعد ذلك بأنه ظالم وجاهل؛ لأنه قبل وتحمل هذا الأمر. إن الله هو القائل: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(15)،
فمناط التكليف الوسع، وهو أحد شروط التعاقد، فلا يستقيم أن يترك الإنسان ليتحمل ما إن حمله فقد ظلم به نفسه، وساقه إلى الوقوع في ذلك جهله، ولا سبيل إلى الطاعة إلا من خلال الاستطاعة "إن التكاليف التي تفرض على الناس لا يقصد بها قصم ظهورهم، ولا تسجيل العجز عليهم، ولا إرهاقهم، حتى يصبح الدين امتحانًا، والعقيدة مصابًا، وإنما قصد بها إسعادهم، وتثبيت أقدامهم على طريق الخير، والأخذ بأيديهم في طريق التقدم والتطور، وتحبيب الفضائل، وتقبيح الرذائل لديهم.
يقول -تعالى-: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(16)".
وعليه فهل هناك من تفسير آخر لوصف الإنسان بأنه كان ظلومًا جهولاً غير الذي ساقته التفاسير السابق ذكرها؟
الجماد لا يحرك نفسه، والنبات يحرك نفسه، ولكنه لا يعرف إلى أين، والحيوان يتحرك، ويعرف إلى أين يتحرك، ولكنه لا يعرف لماذا يتحرك، والإنسان هو الذي يعرف لماذا يتحرك، وما تأتى لـه ذلك إلا عن طريق الحرية، والإرادة المختارة التي تحدد لـه المسير، وتوضح لـه الاتجاه، وتكشف لـه علة اتخاذ هذا الاتجاه. إذا سلبت الإرادة الحرة المختارة من الإنسان نزل عن مرتبته، وانحط إلى أسفل، واعترى النقص ماهيته التي تميزه عن سائر الكائنات فالحرية هي اكتمال النقص، وبدونها يصبح الإنسان ناقص المعنى، الإرادة الحرة المختارة هي التي ميزت الإنسان عن بقية المخلوقات، وبدون هذه الإرادة يصبح الإنسان ناقصًا في المعنى والماهية، وهنا يمكن أن نفسر كلمة (ظلومًا) بأنها (ناقصًا)، بدليل الآية: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا}(17).
أي لم تنقص منه شيئًا، فقبل أن يتحمل الإنسان أمانة الحرية (كان ظلومًا جهولاً)، أي كان ناقصًا في ماهيته الإنسانية جاهلاً بالعلم اللازم لـه لممارسة هذه الحرية، وتحمل مسئوليتها، وبعد أن تحمل أمانة الحرية اكتمل نقصه، وأعطى العلم النافي للجهالة، وأصبح جديرًا بأن يكون سيد الكون.
1 – حرية العقيدة والاعتقاد.
2 – حرية الفكر.
3 – حرية الاختلاف.
4 – حرية السؤال، وحرية المجادلة، وحرية المناقشة، وحرية إبداء الرأي، وحرية الاجتهاد، وواجب الشورى.
5 – حق العمل، وحق المرء في سؤال دولته تقديم خدمات لـه.
6 – حق التنقل والانتقال.
7 – حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات والنقابات والشركات.
8 – سلامة البدن وحق الأمن، وحرمة المسكن وسرية المراسلات.
وهناك حريتان إضافيتان، أضافهما الإسلام إلى حريات الفرد والجماعة، وهما:
9 – حرية الدعاء وحق الاستجابة.
10 – حق الخطأ وحق المغفرة – واجب الاجتهاد وأجر المحاولة.
فأي تلك الحريات يخالف الشرع أحكاماً ومقاصد؟
الحرية هي الأمانة.. محاولة اجتهادية
الآية القرآنية التي توضح الصورة المهيبة لموقف العرض الإلهي من قبل الحق -تبارك وتعالى- على الكائنات للأمانة، حين قال تعالى:
{ِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} (5).
تدلنا على أن المقصود بالأمانة في هذه الآية الكريمة هو الحرية؛ فالأمانة ليست محض التكليف بل هي الحرية المتأسسة على تميز الإنسان بالعقل والتي هي مناط التكليف.
وقد اختلف المفسرون في شرح وبيان هذه الآية، فقال الإمام الزمخشري(6): "وهو يريد بالأمانة الطاعة، فعظّم أمرها وَفَخَّمَ شأنها .. وعرْضها (أي الأمانة) على الجمادات وإبائها وإشفاقها مجاز..."، ثم يقول: "إن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه وثـقل محمله، أنه عُرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواها وأشدها أن تتحمله وتستقل به، فأبت حمله أو الاستقلال به، وأشفقت منه، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته، حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها".
وقال الفخر الرازي:
"هي التكليف..."(7).
وقال الإمام ابن كثير: "قال العوفي عن ابن عباس: يعني بالأمانة (الطاعة)، عرضها الله -تعالى- عليهم (أي على السماوات والأرض والجبال)، قبل أن يعرضها على آدم، فلم يطقنها، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحملها فذلك قولـه – تعالى.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة (الفرائض)، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك، وأشفقوا عليه من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله ألا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها... وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جُبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي (الفرائض)، وقال آخرون: هي (الطاعة)»(8).
تتلخص أقوال المفسرين السابق بيانها، وغيرهم ممن لم نذكره فيما يلي:
· إن الأمانة هي التكليف أو الطاعات أو الفرائض أو قبول الأوامر والنواهي بشرطها.
· إن الإنسان قد ظلم نفسه بحمله لهذه الأمانة؛ لأنه تحمل ما لا يطيق جهلاً منه بطاقته.
وبذلك يمكن القول إن إجماع المفسرين على أن الأمانة هي (التكليف)، ويؤكد ذلك الأستاذ العقاد في قولـه: "ولقد وضح معنى الأمانة وضوحًا لا يقبل اللبس أو الانحراف بالفهم عن جوهره المقصود، وهو (التكليف)، فمن لم يذكره من المفسرين بنصه، ذكره بمقتضياته ومتعلقاته، وهى ملازمة لـه لا تنفك عنه"(9). ونلاحظ أيضًا أن المفسرين قد خلطوا في أقوالهم بين أساس التعاقد وهو (التكليف)، وبين شروط هذا التكليف مثل (الطاعة)، فأطلقوا اسم (الطاعات) على التكليف، فأصبح شرط التعاقد (الطاعة) اسمًا لأساس التعاقد (التكليف). كما أنهم لم يذكروا الشرط الآخر وهو (الحرية) صراحة، بل ألمحوا إليه بالقول: (إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت)، فلم تذكر هنا الحرية صراحة، ولكن عوضًا عن ذلك أشير إليها بذكر القدرة على الاختيار بين البدائل.
لكن التكليف ليس بالأمر القابل للعرض، ناهيك عن القبول أو الرفض من المخلوقات، حيث هو أساس خلق هذه الكائنات، فيمتنع لدينا قبول تفسير الأمانة بأنها التكليف. ويكون المقبول أن الأمانة التي عرضت على الكائنات في هذه الآية هي قبول أو رفض شرطي التكليف ابتداء وهما الطاعة والحرية، وليس التكليف ذاته. وحيث إن السماوات والأرض هي كائنات قد جبلت على الطاعة لقوله – تعالى- : {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (10)،
ما يعني أنها مخلوقات لا تعرف إلا أن تكون طائعة، ولا تقدر إلا على فعل الطاعة؛ لأنها مفطورة عليها، فيصبح عرض الأمانة بمعنى (الطاعة) لا محل لـه، حيث لا محل لأن تعرض اختيار أمر على من لا يملك أن يرفضه، فلا يبقى لنا إلا شرط (الحرية)، ما يعني أن الأمانة التي عرضت على الكائنات هي الحرية، حرية الاختيار بين البدائل، أن تملك القدرة على الفعل والترك، القدرة على أن تقوم بواجبات التكليف، والقدرة على ترك هذه الواجبات، بل أن تمنعها حتى من الحدوث، مع تمام المعرفة بثواب الفعل، والعقاب على الترك. ويصبح هنا من المفهوم أن السماوات والأرض والجبال قد رفضن تحمل هذه المسئولية الجسيمة، وخفن من التبعات الهائلة المترتبة على القدرة على الاختيار بين البدائل، وكان لها ما أرادت، وفى ذلك يقول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية نفسها عن رفض السماوات والأرض: «لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قولـه -تعالى-: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}(11).
من وجهين: أحدهما أن هناك السجود كان فرضًا، وها هنا الأمانة كانت عرضًا، وثانيهما أن الإباء كان هناك استكبارًا، وها هنا استصغارًا: استصغرن أنفسهن بدليل قولـه تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}(12)».
لكن المسئولية جسيمة فلِم حملها الإنسان؟؟
الإنسان ذلك الكائن المكلف الفريد هو الذي قبل بتحمل مسئولية الحرية والقدرة على الاختيار، وبذلك أصبح الكائن المكلف الحر المختار. ولو دققنا النظر في هذه الآية لوجدنا من سياق الآية أن الأمانة لم تعرض في الأساس على الإنسان، وهي نقطة تثير الانتباه والدهشة، وكأن الحق -تبارك وتعالى- يخبرنا أن الإنسان، ذلك الكائن المتفرد، قد تقدم من تلقاء نفسه، من بين صفوف المخلوقات طالبًا لها دون أن تعرض عليه، ولذلك فقد استحقها وفاز بها؛ لأنه لا يستحق الحرية إلا من يتشوّف إليها، ولا يفوز بها إلا من يعشقها ويرغب فيها ويطلبها. هل يمكن القول إن الإنسان قد مارس الحرية في الحصول على الحرية؟ فالحرية اكتمال للمعنى الإنساني ونفي للجهالة، وإذا كان الأمر كذلك – وهو في زعمي كذلك– فكيف يستقيم أن يوصف الإنسان، الذي حمل شعلة الحرية المقدسة، بأنه ظالم لنفسه جاهل لطاقته، بحمله لأمانة الحرية، أو أنه تحمل ما لا طاقة لـه به، وقاده جهله إلى حمل ما يثقل كاهله. هل من المعقول أو المقبول أن الخالق العظيم، الرءوف الرحيم، الذي سبق حبه لخلقه حبهم إياه، والذي لا يقول لمن يدير إليه ظهره من خلقه، ناكرًا مستكبرًا موغلاً في الخصومة، لا يقول لـه إلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(13).
- انظروا إلى رقة التعبير – فالعلاقة قائمة على المحبة، وبها فقط تستمر أو تنقطع، وهو الله الذي حرم الظلم على نفسه {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (14)، وجعله بين الناس محرمًا، أن يعرض على الإنسان شيئًا لا يطيقه، ثم يصف الإنسان بعد ذلك بأنه ظالم وجاهل؛ لأنه قبل وتحمل هذا الأمر. إن الله هو القائل: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(15)،
فمناط التكليف الوسع، وهو أحد شروط التعاقد، فلا يستقيم أن يترك الإنسان ليتحمل ما إن حمله فقد ظلم به نفسه، وساقه إلى الوقوع في ذلك جهله، ولا سبيل إلى الطاعة إلا من خلال الاستطاعة "إن التكاليف التي تفرض على الناس لا يقصد بها قصم ظهورهم، ولا تسجيل العجز عليهم، ولا إرهاقهم، حتى يصبح الدين امتحانًا، والعقيدة مصابًا، وإنما قصد بها إسعادهم، وتثبيت أقدامهم على طريق الخير، والأخذ بأيديهم في طريق التقدم والتطور، وتحبيب الفضائل، وتقبيح الرذائل لديهم.
يقول -تعالى-: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(16)".
وعليه فهل هناك من تفسير آخر لوصف الإنسان بأنه كان ظلومًا جهولاً غير الذي ساقته التفاسير السابق ذكرها؟
الجماد لا يحرك نفسه، والنبات يحرك نفسه، ولكنه لا يعرف إلى أين، والحيوان يتحرك، ويعرف إلى أين يتحرك، ولكنه لا يعرف لماذا يتحرك، والإنسان هو الذي يعرف لماذا يتحرك، وما تأتى لـه ذلك إلا عن طريق الحرية، والإرادة المختارة التي تحدد لـه المسير، وتوضح لـه الاتجاه، وتكشف لـه علة اتخاذ هذا الاتجاه. إذا سلبت الإرادة الحرة المختارة من الإنسان نزل عن مرتبته، وانحط إلى أسفل، واعترى النقص ماهيته التي تميزه عن سائر الكائنات فالحرية هي اكتمال النقص، وبدونها يصبح الإنسان ناقص المعنى، الإرادة الحرة المختارة هي التي ميزت الإنسان عن بقية المخلوقات، وبدون هذه الإرادة يصبح الإنسان ناقصًا في المعنى والماهية، وهنا يمكن أن نفسر كلمة (ظلومًا) بأنها (ناقصًا)، بدليل الآية: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا}(17).
أي لم تنقص منه شيئًا، فقبل أن يتحمل الإنسان أمانة الحرية (كان ظلومًا جهولاً)، أي كان ناقصًا في ماهيته الإنسانية جاهلاً بالعلم اللازم لـه لممارسة هذه الحرية، وتحمل مسئوليتها، وبعد أن تحمل أمانة الحرية اكتمل نقصه، وأعطى العلم النافي للجهالة، وأصبح جديرًا بأن يكون سيد الكون.