المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة الصراعات الطويلة مع التغريب (ح) منقول


الدكتور عبدالحكيم ابوزيان
22-04-2008, 12:14 AM
هذه خلاصة لما كتبه الأستاذ/محمد محمد حسين عن التغريب وهو يحاول تتبع خطواته ومراحله خطوة خطوة ومرحلة مرحلة ..
التغريب:
لم ينتهِ القرن التاسع عشر إلاّ وقد عَظُم شأن الاستعمار الغربي، واستَفْحَلَ، وسقطَتْ أكثر الدول الإسلامية تحت سَيْطَرَته أو نُفُوذه، وبذلك دَخَلت صلات الإسلام والمسلمين بالحضارة الغربية في طَوْر جديد، أصبح فيه تأثيرُ هذه الحضارةِ الغازيةِ أكثر قُوَّة وفعالية؛ لأنها انتَقَلَتْ مع الجالياتِ الأجنبيةِ التي استَقَرَّتْ في بلاد المسلمين، وأصبحت تَحْيا بين ظهرانَيْهِم، وتعيشُ في قلب بلادهم، وتقدِّم نموذجًا حيًّا لأنماطها الفكريَّة والاجتماعية، يسْرِي من طريق المشاهدة والتقليد. وفرضتِ الدولُ الغربية الغازية لُغاتِها وثقافاتِها في البلاد التي احتلتها؛ تيسيرًا على الغربي المستعمر في التعامل من ناحية، وتمهيدًا لمحو طابع المستعمرات الشخصي وامتصاصها من ناحية أُخْرى. ومضت سياسة إرسال المَبْعُوثين من هذه البلاد في طريقها؛ ولكنها لم تعد حرة في توجيهها، فقد أصبح العدد الأكبر منها يُوَجَّه نحو الدول المُتَسَلِّطَة، وأصبح أكثرها يُوَجَّه توجيها أدبيًّا أو فلسفيًّا أو تربويًّا؛ بل إسلاميًّا في بعض الأحيانِ، يَتَلَقَّوْنَ فيه أصول البحث في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، والفِكْر الإسلامي عن المستشرقين من الغربيين؛ صحيحهم – إن وجد – وسقيمهم – وما أكثره. وصارتِ المجالات الصناعية والخبرات الفنية وقفًا على المستعمرين الأوروبيين، الذين حَوَّلُوا المستعمرات وأهلها إلى مزارع، ومناجم، وعمال لإنتاج المواد الأولية. وأصبح التعليمُ في داخل هذه البلاد يَجْرِي على تخطيط عربي رسمه الاستعمار، وأشرف على تنفيذه بنفسه أو بأيدي صنائعه من الأصدقاء والعُملاء. وبذلك ظهر في مُعْجَم السياسة والحضارة ما يسميه الغربيون ومفكروهم بالـ (Westernization)، وما يمكن أن نسميه بـ(التغريب)؛ أي طبع المستعمرات الأسيوية والإفريقية بطابع الحضارة الغربية. وجُهود الاستعمار في هذا تَشْمَل المُسْلِمينَ وغير المسلمين من أهل المستعمرات. ولكن جهدهم الأكبر وعنايتهم الأوفر كانت للمُسْلِمينَ بخاصة؛ لارتباط حياتهم في مختلف مناشِطِها بالدين.

لم يكن هدف الاستعمار من نشر حضارته هو تمدين البلاد التي استعمرها؛ كما كان يَتَشَدَّقُ به ويزعمه، ولكنه كان يقصد بذلك إزالة الحواجز التي تَقُوم بينه وبين هذه الشعوب، وهي حواجز تُهَدِّدُ مصالِحَهُ الاقتصادية، وتجعل مُهمَّة حراستها والمحافظة علها صعبة غير مأمونة العَوَاقب. كانت هذه الحواجز الناشئة عن الاختلاف في الدين، وفي اللغة، وفي التقاليد والعادات سببًا في إحساس الوطنيين بالنُّفُور من الأجنبي المُحْتلّ، وفي إحساس المستعمر بالغربة، بل الشعور بالخطر الذي يُحِيطُ به، ويَتَهَدَّده في بعض الأحيانِ. وكان هذا الإحساس بالغُرْبة وبالخطر أعظم ما يكون حين يتعامل المستعمر الغربي مع المسلمين. ذلك لأن الإسلام لم يكن مجموعة من الطقوس الدينية وحسب، كما هو الشأن في غيره من الأديان، ولكنه كان حضارة كاملةً يحملها لإسلام حيثما ذهب، لها لغتها التي لا يصح التعبد بغيرها، ولها قيمها وقوانينها التي تَمْتَد وتتغَلْغَل لتشمل سائر احتياجات الأفراد والجماعاتِ في سُلُوكهم، وفي مُعاملاتهم، وفي نشاطهم الفِكْري، والفني، والعاطفي على السواء. فلم يَمْضِ على ظهور الإسلام قرنٌ حتى كانتِ النظُم الإسلامية حضارةً كاملةً، يَحْمِلُها الإسلام معه حيثما ذهب، ليس فيها ثغرةٌ أو فجوةٌ. وقد كان هذا هو السبب في وحدة الحضارة الإسلامية، وفي قوة الرابِطَة التي تجمع أفرادها على هذه الحضارة، والتي تُذِيب ما بينهم من فوارق الجنس واللغة والمكان؛ بل تُذِيب الفوارقَ الناشئة عن اختلاف الزمان؛ لتضم هذه الأمة في وحدة كَوْنِيَّة، تردّ آخرها إلى أولها، وتجمع حاضرها وماضِيها، بسبب ثبات القِيَم الإسلامية، وقدرتها على الاستجابة لحاجات الحياة في تَقَلُّباتها وتَطَوُّراتها، وبسبب ثبات لغة هذا الدين ومرونتها، التي مكَّنَتْ للمسلم المعاصر أن يقرأ القرآن، وأن يقرأ ما كتبه فُقهاء المسلمين، وأدباؤهم وشعراؤهم وفلاسفتهم وعلماؤهم، على امتداد تاريخهم الطويل، دون أن يحس الغربة، أو تصده صعوبة في التعبير، أو تغير في الذوق الفني واللُّغوي، فكأنما أنزل القرآن اليوم، وكأنما بُعث شعراء الماضي الغابر وأدباؤه وعلماؤه، فهم يُخَاطبون هذا الجيل، بما كتبوه وما أنشَؤُوه. ونشأ عن ذلك كله هذه الرابطة الإسلامية القوية، التي حار الغربيون في تعليلها، وكَلّتْ حِيَلُهم وقَصرت وسائلهم عن تَفْتِيتِها، فهي وحدة لا وجود لها في غير الإسلام من الأديان، تدعو تركيا إلى إنشاء سكة حديد الحجاز قبل الحرب العالمية الأولى. فتنهال التبرعات المالية من شتى بلاد المسلمين من أندونيسيا إلى مراكش. ويفرض الغربيون على تركيا شروطًا ظالمة بعد الحرب العالمية الأولى، فيثور المسلمون في الهند ثورة عنيفة تفزع الإنجليز[1]. ويموت الزعيم الهندي المسلم مولانا محمد علي في لندن، أثناء دفاعه عن الإسلام في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فيُدْفَنُ في القدس الشريف حسب وصيته. وتتوالى الأنباءُ بمحاولات فرنسا السافرة، بين الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ للقضاء على الإسلام وعلى اللغة العربية، وتشجيع القومية البربرية في مراكش، فتَهْتَزُّ لذلك بلاد العرب والمسلمين. وتزداد جرائم إيطاليا الوحشية في ليبيا، فينهالُ المتطوّعون من شتى بلاد المسلمين للمشاركة في الجهاد بأموالهم وأنفسهم. ويُستشهَد عُمَرُ المختار في هذا الجهاد، فيرثيه كل شعراء العرب، ويبكيه كل المسلمين في أندونيسيا والهند. ويزدادُ خطرُ اليهود في فِلَسْطِين، فيُشغَل الرأي الإسلامي العام بذلك، ويتطوع للدفاع عنها مسلمون من شتى البلاد، ثم تقاطع الحكومات الإسلامية الدولة الدخيلة المغتصبة من بعد.

وزاد في قوة هذه الرابطة نشاطُ الدَّعوة إلى الجامعة الإسلامية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وهي دعوة صادفتِ استِجابَة قوية عند كل المُسلمين، ودعّمها الشعور بالخطر المشترك أمام الزحف السياسي والاقتصادي الذي يُهَدِّدُ المسلمين بالفناء، فتزايد عددُ الصحف التي تدعُو إلى الجامعة الإسلامية تَزَايُدًا ظاهرًا قبل الحرب العالمية الأولى، كان عددها في سنة 1900 لا يزيد عن مائتي صحيفة، فبلغ عددها سنة 1906 خمسمائة صحيفة، ثم زاد في سنة 1914 على الألف صحيفة، حسب إحصاء لوثروب ستودارد في كتاب "حاضر العالم الإسلامي".

لذلك كله كان شعور المستعمر الأوروبي بالغُرْبة، والخطر أقوى ما يكون، حين يواجه هذه الأمة الإسلامية في مختلف بلادها. ولذلك كانت برامج التَّغْرِيب مُوَجَّهَة إلى الإسلام والمسلمين بنوع خاص، وكثرتِ الكتب والمؤتمرات التي تبحث في تاريخ الإسلام والمسلمين، وفي مشاكلهم المعاصرة، وتطورهم الفِكْري والحضَاري.

وكان يزيد في هذا الشعور بالغربة وبالخطر أن تاريخ الإسلام والغرب حافلٌ بالصراع منذ ظهور الإسلام، وأنَّ الصلةَ بينهما كانت صلة جهاد وعداوة دائمًا. توسع الإسلام على حساب الإمبراطورية البيزنطيَّة في الشام، وفي آسيا الصغرى، وفي شمال إفريقية، وظلت الحرب قائمةً بينهما على امتداد التاريخ، حتى بلغتْ قِمَّتَها في الحروب الصليبية. ثم بلغ مدُّ الإسلام غايته حين احتل العُثْمانِيُّون عاصمة الدولة البيزنطية، ومقرَّ كنيستهم سنة 1543 م، وغيَّروا اسمها إلى إسلامبول؛ أي (دار الإسلام)، واتخذوها عاصمةً لدولتهم، التي توغَّلَتْ في أوروبا، وكادتْ تَكْتَسِحُها حين هدَّدتْ فينَّا سنة 1529. وظلَّ هذا التهديد قائمًا حتى 1683.

ودار الصراع بين الإسلام وأوروبا منذ القرن الأول الهجري على الأرض الأوروبية من طرفها الغربي حين سقطت الأندلس في أيدي المسلمين، وأصبحت من بعدُ مقرًّا لخلافة أموية، ولحضارة مُزْدَهِرَة لا تزال آثارها الباقية تشهد بأمجادها. ثم كانت المذابح الوحشية التي تولَّتْ فيها محاكم التفتيش المسيحيةُ إبادةَ المسلمين عقب هزيمتهم في الأندلس.

والأوروبي بعد ذلك لا يعرف عن المسلمين إلا ما قرأه من الأكاذيب التي تُشَوِّهُ صورتهم في أذهان المسيحيين، والتي تَشيعُ في كل ما كتبه الغربيون عنهم منذ الحروب الصليبية، والتي لم تخفَّ حدَّتُها إلا في نصف القرن الأخير، حين لاحظ الغربيون أن المسلمين يقرؤون ما يكتبون. وكان يزيد في حدَّة هذه العداوة صَيْحَاتُ دول البلقان، التي تستغيثُ بالدول الأوروبية، وتطلب منهم باسم المسيحية أن يُنْقِذُوها من حكم المسلمين.

كان هذا التاريخُ الغابر، والحاضرُ الراهن، بكل ما يحفل به من صور العداء، يزيد في إحساس المستعمر الأوروبي بالغُربة والخَطَرِ. فكان التغريب – والتبشير فرع منه – هو الحل الذي اهتدى إليه، ونشطت أجهزتُهم في تنفيذه.
وللحديث بقية إن شاء الله...