المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إنماالخوف على الطاعن


الدكتور عبدالحكيم ابوزيان
06-03-2008, 04:42 PM
إنما الخوفُ على الطّاعن!!.
عندما نتحدّثُ عن هذه الظّاهرة (الطعن في الآخرـ تحت ذريعة الجرح) إنّما نتحدّثُ عنها بمرارة وحسرة ونحن ننظرُ إلى ما آل إليه حالُ المسلمين اليومَ من فُرقة وتحزُّب، وتدابر وانصرام، موظّفين في ذلك ما استطاعوا من الآيات والآثار، لطمس محاسن الآخر، ومحو أثره، وسحق آثاره مما يُنعشُ العصبيّة التي لا تفتقر بالأساس إلى من يُنعشُها، ويُوئدُ الرَّحمة بين المسلمين.
وكما تُساقُ هذه الظَّاهرةُ ديانةً وقربةً ممن حسُنت نيَّتُه، وتوفّرت فيه أهليَّةُ القيام بها، في وقتها وبشرطها، وبقدر ما تتحقَّقُ به الكفايةُ والمصلحة؛ فإنَّها كذلك تُساقُ في كثير من الأحايين إلى غير وجهتها ممن وجد فيها تلبيةً لطموحه، وتقنينا لسلوكه، ومنهاجاً لتصرُّفه، ومن هنا ادلهمَّ الخطبُ، وتطاير الشررُ، وبرزت الفتنةُ.
إنّنا كثيراً ما نتبجّحُ على العالم بأنَّنا أمّةُ العدل والإنصاف وأمّةُ الحوار والتّراحم وهذه هي أهمُّ مبادئ التواصل مع الآخر التي قرّرها الإسلام لكنّنا ـ وبكلّ أسف ـ لم نفلح بأن نقيم ولو حواراً منصفاً فيما بيننا يقومُ على ميزان العدل، ومبدإِ التّراحم، ونزاهة الإنصاف، ليس في مثل هذه الظَّاهرة أوفي وقتنا الحاضر فحسب، بل إنّ تاريخنا على اتّساع رقعته مليءٌ بالكثير من تلك الصُّور المتناقضة مع أنصع تعاليم هذا الدّين المرتكزة على هذه الأسس العظيمة!!.
وإنّنا مهما حاولنا أن نقنع الآخرين بما لدينا من مفاهيمَ حضارية، ومبادئَ خلاَّقة على مستوى التَّنظير؛ فإنّ سلوكنا الثَّقافيَّ العنيفَ المبنيّ على استئصال الآخَر وقلْعه من جذوره يأبى إلاَّ أن يعطيَ الصُّورةَ النّمطيّةَ المقزِّزةَ والمنحدِرةَ للمستوى العلميّ والفكريّ الذي تعيشُه مجتمعاتُنا.
إنّ الجرح في باب الرواية أو الشّهادة داخلٌ في الاستثناء من الغيبة المحرَّمة، وقد أبيح للضّرورة، ونحن نعلم أنَّ ألفاظه معدودة ومحدودة، ولا يُتجاوز اللفظُ المغني عن التعريف بصاحبه إلى غيره مما يعلمه المجرّح إذا اكتفي به وما زاد كان داخلا في الغيبة المحرّمة؛ لأنّ ذلك ضرورةٌ والضَّرورةُ تقدّر بقدرها؛ وهي مسألةٌ مبنيّةٌ على الاجتهاد ليس للمقلِّد فيهانصيبٌ، والتّذرُّع بتقليد العلماء في هذاالباب ضربٌ من الجهل والانحدار.
فإنَّ نقد الرُّواة هي صورةٌ استثنائية من عمومات المنع من القدح في عرض المسلم، أوجبتها ضرورةُ حفظ الدّين، وقد أُبيحت لصنفٍ معيَّنٍ من النَّاس، وما كان استثناء من أصل وجب في مثله الاقتصارُ على قدر الاستثناء وشرطه، وعدم مجاوزته بزيادة على ما يتحقَّقُ به المقصود.
ولأجل هذه العلّة كانت السّمةُ الغالبةُ على منهج النُّقَّاد في صياغة الجرح تمتازُ بأمور:
الأول:الاقتصار على وصف الراوي بالأوصاف المخصوصة المؤثّرة في روايته سواء كان ذلك في ضبطه أو شخصه دون زيادة عليها : " سيء الحفظ ـ ليّن الحديث ـ ليس بالقويّ ـ فيه نظر ـ عنده عجائب ـ سكتوا عنه)، فالجرح علمٌ يُبحث فيه عن حال الرُّواة بألفاظ مخصوصة وعن مراتب تلك الألفاظ، ومثله التعديل.
الثاني: الإيجاز في العبارة، ويرجع ذلك إلى الورع مع الحذر في التوسّع وقد أغنت شهرةُ اصطلاحاتهم المبنية على هذا الاعتبار من الإطناب في ذلك، وهذا مؤشِّر لعسر هذا المقام ومشقّته عليهم.
يقول ابنُ دقيق العيد: "أعراضُ المسلمين حفرةٌ من حفر النّار وقف على شفيرها طائفتان: المحدّثون، والحكّام" ( ).
الثالث:الورع التامُّ الذي يوجبُ الإنصافَ وعدمَ الاعتداء، يقولُ الذّهبيُّ: " الكلام في الرواة يحتاجُ إلى ورع تامّ، وبراءةٍ من الهوى والميل، وخبرةٍ كاملةٍ بالحديث وعلله ورجاله"( ).
لقد تصفّحتُ العديدَ من كتب الجرح فلم أقف على ما وفقتُ عليه من ألفاظ مقزّزة لا تصدر عن عامّيّ ، بله طالبَ علم متورّعاً، ولّدتها حميّةٌ جامحةُ، وعصبيّةُ منتنة تحت مسمَّى الجَرح، منها: الاستدلال بعموم الآيات الواردة في الكفَّار والمنافقين، ومنها: ألفاظُ الشَّتم والسّباب والقدح: ( كلب ـ متستر ـ منافق ـ لئيم ـ ماكر ـ جاهل ـ مخادع ـ مصلحي ـ متلوّن ـ أخطر من اليهود والنصارى ـ ..مشرك إلخ هذه المشتقات التي تنضح بالتكفير والتعصب وتُغرق في النَّفيِ والإقصاء ) و"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"( ) .
الرَّابع: أنَّ التَّأويل ينفي القدحَ في العدالة فالفسقُ والبدعةُ لا يجامعان التأويلَ الذي ظهر وجهُه من أجل اعتقاده ذلك وهذا لا ينفي عن المجرَّح بهما العدالة.
سيما إذا عرفنا أن أكثر ما يُطعنُ به اليوم على الآخَر هو من الأمور المتكلّفة التي يمليها الهوى والتعصب للأحزاب والمناهج والطّوائف والرجال، والبحثُ بالمناقيش عن نقائص الخصوم، والاعتمادُ على بتر النّصوص وعدم الاعتبار بسباقها وسياقها ولحاقها، ولذا يقول ابنُ جرير الطبري:" لو كان كلُّ من ادُّعي عليه مذهبٌ من المذاهب الرّديئة ثبت عليه ما ادّعيَ به، وسقطت عدالتُه، وبطلت شهادتُه بذلك للزم تركُ أكثر محدّثي الأمصار؛ لأنَّه ما منهم إلاَّ وقد نسبه قومٌ إلى ما يُرغَبُ به عنه".
ويخرج من هذا التأصيل بالطَّبع من كان من الرواة طُعن عليه لبدعته وحديثه معاً مثل جابر الجعفي وعمرو بن عبيد البصري ـ كما هو معروف عند علماء هذا الشّأن ـ .
لقد تخطّت هذه الظاهرةُ بساطَ البحث في علم الجرح والتَّعديل الذي طُوي منذ زمن بعيدٍ في عصور الرِّواية ببيان أحوال كلِّ الرواة من نقلة الحديث قبولاً وردًّا والانتهاء منها إلى كلّ ما يمكنُ أن تطاله من علْم وأعلام، وفقه واجتهاد، بالطّعن والشَّتم والتّشهير والنَّبز واللَّمز والتكفير..إلخ وهذا مخالفٌ لما عرف عن السَّلف من أدبهم مع العلماء وحفظ حقوقهم .
فكيفَ بشبابٍ ينقصُهم الكثيرُ من الفقه في الدّين، والوعيُ بواقع الأمّة وإمكاناتها يُحمَّلون مثلَ هذه الأفكار الإطاحيَّة والمظلمة تجاهَ علمائهم وولاة أمورهم ومجتماعاتهم ؟؟.
فالسَّلف كانوا لا يزيدون في المسائل المحتمِلة على الرَّأي الآخَر غيرَ قولهم: مرجوحٌ أو خلافُ الأولى أو ضعيفٌ أو نحو ذلك...!!.
نعم: لابدّ وأن يكون في هذه الأمّة من كلّ جيل من ينفي عن هذا الدّين تحريف الغالين وتأويل الجاهلين، وشبه المضلّين، متّسماً بالتَّوازن والاعتدال، ومعتبراً بفقه المصالح والمفاسد، ومبتعداً عن نبش كلِّ ما يُثيرُ الفتنةَ والشَّرَّ بين عموم المسلمين.
والواجب على أهل العلم الأكْفَاءِ التّحذيرُ من أيّ دعوة تحزُّبيَّة أو تخريبية سواء كانت هذه الدَّعوةُ تنادي بتخريب الفقه على أيدي المقلّدين بدعوتهم للاجتهاد على أنقاض الاجتهاد، أو بالخروج على مناهج وتأصيلات العلماء والحطّ من أقدارهم، أو بتخريب السُّنّة بدعوة العامّة إلى الأخذ منها مباشرةً تحت ذريعة:" إذا صحّ الحديثُ فهو مذهبي" التي كانت شعاراً صادقاً للأئمّة السّالفين، أو بتخريب ذات البيْن التي لا تفتقر إلى المزيد بالدّعوة إلى القطيعة بين المسلمين وفق اعتبارات حزبيّة ومنهجيّة، أو بتخريب العقول بنشر شبهات التكفير، وبثّ ثقافة اليأس من صلاح الأمّة ورشادها، والخروج على حكَّامها واستعمال العنف والتَّدمير والفوضى طريقاً لنصرة الإسلام.
وإذا ما استغلّ هذه الذّريعةَ بعضُ المتعصبين والحزبيّين من المقلِّدين للانتقام وتصفية الحسابات، وتبرير الحقد والامتعاض من الآخرين، أو لقصد إظهار أنّهم صاروا أئمّة في الجرح (الطعن) كابن معين وابن أبي حاتم، فإنّ الخوف واقعٌ عليهم من ذلك لا على المطعون فيهم؛ ذلك أنّ هذا الجرح يشترط فيه الإخلاص ابتداء ودواماً، وألا يكون في مسائل الظّنّ والاجتهاد في فروع الفقه ونحوها، وأن يُقصد به النُّصحُ لا التشفّي، وأن يكون بقدر ما تتحقَّقُ به المصلحةُ الرّاجحةُ، وأن يقع من أهل العلم والاجتهاد ممن يُعذر إذا أخطأ بالتّأويل فإنَّ الجاهل والمقلّد لا يُعذرُ بتأويله إذا أخطأ بل حتى ولو أصاب الحقّ فيما ليس هو من شأنه، فيُهلكُ نفسَه ويُهلك الآخرين من حيث لا يدري ويحسب أن الأمر أقلُّ من أن يُحتاط له، والحقُّ: أنّ شَبر البسيطة أهونُ عليه مما خاض فيه !!.
فأنتَ ترى بأمّ عينك من الأغرار من يخوضُ فيما يخوضُ فيه النّاسُ دون أن يعلم خطر ما هو مقدمٌ عليه، ولو كان عاقلاً ورعاً لانكفأ على نفسه يحاسبُها على تقصيرها ويسعى في تهذيبها وحملها على الخشية والإنابة، وتزكيتها بالعلم النافع والعمل الصالح متجنّبا كلَّ فرقة وفتنة، ونائياً بنفسه عن كلِّ حزبنة وتشرذم يأمر بالمعروف بشرطه وينهى عن المنكر بشرطه وفي حدود جهده وطاقته، لا يختار لنفسه لقبا ولا اسما إلا ما سمّه اللهُ به ورسولُه "هو سماكم المسلمين" ( )و" المسلم أخو المسلم لا يَظلمه ولا يُسلِمُه "( ) .
يقول الذهبي: "قد تكلَّم خلقٌ من التابعين بعضُهم في بعض، وتحاربوا، وجرت أمورٌ لا يمكن شرحُها، فلا فائدة في بثّها، ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمورٌ عجيبةٌ! والعاقلُ خصمُ نفسه، (ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، و(لحوم العلماء مسمومة)، وما نُقل من ذلك لتبيين غلط العالم، وكثرة وهمه، أو نقص حفظه، فليس من هذا النَّمط، بل لتوضيح الحديث الصَّحيح من الحسن، والحسن من الضَّعيف"( ).
لقد انحرف مسارُ الجرح في هذا العصر ليكون ديدنَ كلّ حزبيّ متعصّب، وحديثَ كلّ جاهل مقلّد ـ ولا أقصدُ هنا دائرةً بعينها بل كلّ الدّوائر الحزبيَّة التي تقمع أربابَها من داخلها ولا تتركُ لهم هامشاً للاختيار، بل تكبِتُهم بالصّمت ووجوب التَّقليد وعدم الاعتراض تحت التهديد بالخروج من دائرتها، كما تترصَّدُ لخصومها من خارجها بفكرٍ إطاحيٍّ مُوغِلٍ في القمع والتّنكُّر لفضيلة الآخَر وحسن بلائه ـ .
وكلّما اشتدّت هذه الفكرةُ بصاحبها وطاشت، كلّما كان الحكمُ على المخالف أشدَّ وأعنفَ حتى رأينا عند بعض الطّوائف والأحزاب الحكمَ بالكفر والرِّدّة والعمالة ونحو ذلك من الضّلالات تُساقُ في حقّ المشهود لهم بالعلم والنّزاهة، وكلّ ذلك يقعُ تحت تأثير واقع إسلاميٍّ مليءٍ بالكثير من التّحدّيات والاضطرابات والإشكالات والمؤامرات والاختراقات التي تخفى على جمهرة النّاس مع أنّها تُحاكُ في وضَح النّهار.
لقد بلغ هذا المسارُ ببعض العامّة المقلّدين من تلامذة الأشرطة أن تُعرض عليه كتاباتُ أطناب العلم والدّعوة لتقييمها ونقدها، والحكم عليها دون خجلٍ من النّاس ولا حياءٍ من الله؟؟؟.
وهذا واقعٌ مؤلمٌ بكلِّ المقاييس، بل إنَّ المرارةَ لتزدادُ عند ما نسمعُ بعضَ السّوقة وهو يتكلّمُ بكلِّ فضولٍ وبرودةٍ عن أعلم رجل على وجه الأرض ومَن ليس تحت أديم السَّماء مثلُه، ونحوِ هذا من أنواع الغلوّ الجامح الذي لا حدود له!!!.
إنّنا نرى طاقات هائلةً تهدرُ باسم الإسلام، وعقولاً كثيرةً تستغلُّ باسم الدّين، تحرث في البحر، وتجاهدُ في غير عدوّ تتنازعها دوائرُ، وتصنعها أيادٍ لفرض حسابات معيَّنة، وتكوين معادلات تكونُ مصدرَ إزعاج دائمٍ، وتثبيط مستمرّ.
والخوف كلُّ الخوف على الطّاعن لهواه أن يناله شيءٌ من دعاء المطعون ومظلمته .
تكلَّم يحيى بنُ معين في أبي بدر، فدعا عليه، قال أحمدُ: فأُراه استُجيب له. والمرادُ بذلك ـ والله أعلم ـ عدمُ التثبُّت والغيبةُ بغير حقٍّ." قال أبو الحارث: سمعت أبا عبد الله غير مرَّة يقول: ما تكلَّم أحدٌ في النَّاس إلا سقط وذهب حديثُه، قد كان بالبصرة رجلٌ يقال له الأفطس، كان يروي عن الأعمش والناس، وكانت له مجالس، وكان صحيح الحديث، إلاّ أنه كان لا يسلمُ على لسانه أحدٌ، فذهب حديثُه وذِكْرُه، وقال في رواية الأثرم وذكر الأفطس واسمه عبد الله بن سلمة، قال: إنما سقط بلسانه، فليس نسمع أحداً يذكره.
وقال أبو زرعة عن عبد الله بن سلمة الأفطس: كان عندي صدوقاً، لكنه كان يتكلَّمُ في عبد الواحد بن زياد، ويحيى القطَّان، وذُكر له يونسُ بنُ أبي إسحاق فقال: لا ينتهي يونسُ حتى يقولَ سمعتُ البراء. قال أبو زرعة فانظر كيف يرُدُّ أمرُه، كلُّ من لم يتكلَّم في هذا الشأن على الدِّيانة فإنما يعطب نفسَه، وكان الثَّوري ومالك يتكلَّمون في الناس على الدِّيانة فينفذُ قولهم، وكلُّ من لم يتكلَّم فيهم على غير الدِّيانة يرجع الأمرُ عليه"( ).
وقد كان البخاريُّ ـ رحمه الله ـ يقول:" إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أنّي اغتبتُ أحداً" فهذا البخاريُّ الإمامُ العلَمُ المجتهدُ الذي يُعذَر مثلُه بالتَّأويل إذا أخطأ يقولُ هذا القول، ويخافُ على نفسه هذا الخوف، فكيف الحالُ بمن هو دونه في العلم والتّقوى والإمامة في الدّين ممن يزعم نُصرةَ الإسلام بتحطيم أعمدته، والتَّشكيك في أنصاره وحملته؟؟..
ولم تكن الجرحةُ في قبول رواية بعض الأئمَّة مع صدقها لتُنسيَ فضلَهم وعلمَهم عند من جرّحهم بل كانت منزلتُهم محفوظة، وهيبتُهم مصانة، ولهذا تجدُ في كتب الجرح والتَّعديل الثناءَ على الرَّجل ووصفَه بالفقه والعلم، مع تضعيفهم له أو طعن بعضهم في روايته، كابن لَهِيعة القاضي ضعَّفوه في الرّواية، وشهدوا له بالعلم والفقه، حتى قال ابنُ تيمية: "كان من أهل العلم والدِّين باتفاق العلماء"( ).
يقول يحيى بنُ معين ـ رحمه الله ـ : إنا لنطعنُ على أقوام لعلَّهم قد حَطُّوا رحالَهم في الجنَّة منذُ أكثرَ من مائتي سنة. قال ابنُ مهرويه: دخلتُ على عبد الرَّحمن بن أبي حاتم، وهو يقرأُ على النَّاس كتابَ الجرح والتَّعديل، فحدَّثته بهذه الحكاية فبكى، وارتعدت يداه حتى سقط الكتابُ من يده، وجعل يبكي ويستعيدُني الحكايةَ، ولم يقرأ في ذلك المجلس شيئاً"( ).
فهل يبكي على حاله من لم يبلغ شأوَ هؤلاء الأعلام، بل من ليس له في العلم نقيرٌ ولا قطمير، ممن اتخذ من لحوم العلماء زاداً لسفره إلى الآخرة، وديناً يتقرّبُ به لربّه مردِّداً على أمثاله من المقلِّدين ما وجده مبثوثاً في قراطيسَ دُوّنت تحت تأثيرٍ صاخبٍ من التَّمويه والدّعاية تلبيةً لطموح الدّوائر المتربّصة بالمسلمين لإذابة أخوَّتهم، ، ونشرِ الفتنة بينهم، وجَعلِهم في تآكُلٍ داخليٍّ مستمرٍّ، ونزيفٍ حزبيّ لا يَنتهي؟؟؟ .
د. عبد الحكيم أحمد أبوزيان