مشاهدة النسخة كاملة : سؤال حيرني
خدوجة محمد
04-01-2007, 11:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأستاذ الفاضل
تحية مباركة في هذه الأيام المباركة
سؤال حيرنى
سؤال هو ... هناك حديث يقول (( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ))
سؤالي .. ما حكم من يواجه المنكر ويرفض أن يغيره بحجة عدم قبول الطرف الآخر النصيحة
وبارك الله فيكم
وجزاكم الله كل الخير
الدكتور عبدالحكيم ابوزيان
05-01-2007, 09:19 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإنَّ هذا الحديث صحيح رواه مسلمٌ في صحيحه،وكذلك:أحمد في المسند والترمذي والنسائي وأبوداود،وابن ماجه من حديث أبي سعيد –رضي الله عنه-.
والنصيحة في الدّين هي واجبٌ شرعيٌّ متى توفرت شروطها،بل إن مدار الإسلام على النصيحة المشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،فقدجاء في الصحيح عن النبي –صلى الله عليه وسلم-:"الدّين النصيحة"وقد جعل العلماءُ هذا الحديث أحد أرباع الدين،فهو أحد أربعة أحاديث عليها مدار الإسلام،وقد كان النبي-صلى الله عليه وسلم-يأخذ البيعة على النصح لكل مسلم –كما في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله-.
وقد حفَّز الإسلام أتباعَه على الصَّدقة وجعل منها:"وأمرٍ بمعروفٍ صدقة،ونهيٍ عن منكر صدقة"- رواه مسلم وأحمد وأبوداود-.
إنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ شرعيٌّ على كلّ مسلم قدر استطاعته متى ما أمن نفاذ نصيحته،وسماع كلامه،وقد عيَّر الإسلام أهل الكتاب بقوله:"كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون".
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر ضروري في صلاح المجتمعات،وغيابه يؤدّي حتماً إلى تفشّي الفساد،وانفلات الأمور،وانقلاب الموازين،وشيوع الرذائل،واستفحال الشر.
ولكن قبل ذلك وبعده لابدَّ من توافر بعض الشروط في كل من أراد أن يتصدَّى لذلك وإلاَّ لكانت النتائج على عكس ما يُرجى،بل ربما زاد الشر تطاولاً،والمنكر انتشاراً.
وقد قرّر العلماء أنّ " الضّرر لا يزالُ بمثله ، ولا بما هو فوقه بالأوْلى ، بل بما هو دونه".
وهذه هي أهم شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:-
أولاً : العلمُ .
فإنَّ العلماء هم أدرى النَّاس بحقيقة المنكر ، ومراتبه ، ووسائل تغييره ، أمَّا العوامُّ من المقلّدين ، فليس لهم ذلك إلاّ فيما ظهر حكمُه ، واستبان أمرُه .
قال النوويُّ : " إنَّما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنهُ ، وذلك يختلف باختلاف الشيء ، فإن كان من الواجبات الظَّاهرة ، والمحرَّمات المشهورة كالصَّلاة والصّيام والزِّنا والخمر ونحوها ، فكلُّ المسلمين علماءُ بها , وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ، أو ممَّا يتعلّق بالاجتهاد لم يكن للعوامّ مدخلٌ فيه ، بل ذلك للعلماء ،وقد مرَّ في بداية البحث الحديثُ حول ضرورة الفقه بالنِّسبة للدَّاعية،حتى لا يقع في سيئتى الإفراط،أو التَّفريط.
ثانياً : أن يكون الأمر أو النهي محلَّ اتِّفاق . إنّ هذا الأصل مهمٌّ جدًّا في فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يغفل عنه الكثيرُ من النَّاس ، ممّن يحمل همَّ الإصلاح ، وقد حسنت نيّتُه ، وقلَّ علمُه ، فتراه يحشر نفسَه للفصل في مسائل الاجتهاد ، وخلاف العلماء ، ويجعل من القول الذي نقله عن إمامه الثِّقة وقلّده فيه ، لا يقبل النزاع ، ولا يحتمل النّقاش ، وأنَّ كلَّ من خالفه يعدُّ خارجاً عن سبيل الحقّ مقارفاً للمنكر ، الذي تجب إزالته والتَّحذير منه .
يقول النوويّ : " .. ثمَّ إنّ العلماء إنّما ينكرون ما أجمع عليه ، أمَّا المختلف فيه فلا إنكار فيه " .
اللَّهمَّ " إلاَّ إذا كان الخلاف في المسألة خلافاً واهياً وضعيفاً ، لا عبرة به ، ولا دليل عليه ، أو كان ذريعةً إلى محظورٍ متفق عليه ، كنكاح المتعة ، فإنَّ القول به واهٍ وضعيفٌ ، وهو ذريعةٌ إلى الزنا ".
ثالثاً : الصَّلابة في الحقِّ .إنَّ تغيير المنكر ، وإزالة الباطل ، ونشر الفضيلة ، وإذكاء المعروف ،كلًُّها تحتاج إلى صلابةٍ وقوَّةٍ ، وعدم مجاملةٍ في قول الحقِّ ، سواءٌ من قِبَل الدّاعية ، أو من قبل ولاة أمور المسلمين ، بإقامة المؤسَّسات والهيئات التي تتابع كلَّ مقصِّر وتلاحقُ كلَّ منحرفٍ،سواءٌ كان المنكر فيما له تعلُّقٌ بالدنيا،كالتَّقصير في الأعمال وكالفساد الإداريِّ والمالي ونحو ذلك،أو فيما له تعلُّق مباشرٌ بالدِّين كمحاربة البدع والمنكرات،وكلِّ ما يضرُّ بالعقيدة أو الشَّريعة .
إذاً " فلابدَّ للداعية أن يكون قويًّا في الحقِّ لا يجامل فيه ولا يداهنُ؛لأنّه إن لم يكن صليباً في الحقّ لم يستطع الأمر بالمعروف ، ولا النهْي عن المنكر ".
وإذا ما أنعم المرءُ النَّظر في هذه الأساسيَّات،يجد أنّ فقد واحدةٍ منها يمثِّل عائقاً أمام حركة الإصلاح،وعقبةً في طريق الدُّعاة والمصلحين .
فإنَّ قلَّة العلم سببٌ لتبديل الحكم الشَّرعيِّ،والاعتقاد بفساد ما هو صحيح،وأمَّا جعلُ مسائل الخلاف والاجتهاد من أولويّات الدَّاعية،وضرورات التَّغيير فإنَّه يؤدِّي إلى إطلالة المذهبيّة المتعصَّبة،والحزبيَّة الوقحة،وضياع الجهود والأوقات فيما لا طائل من ورائه،بينما يَنعم الباطلُ المتَّفَق على فساده في ظلِّ هذه المهاترات المذهبيَّة والخصومات المنهجيَّة .
وليس معنى ذلك : ألاّ يرجِّح المرءُ ما يراه راجحاً ، أو ألاَّ يتكلَّم في مسائل الخلاف التي لها حظٌّ من النَّظر والاجتهاد والاستدلال؛فإنَّ ذلك لمَّا يزل من دأب العلماء الرَّاسخين،بل المقصود ألاَّ يُجعل من مسائل الاجتهاد المحتملة منكراً تجب أزالتُه،أو باطلاً يتحتَّم ردُّه ومحاربتُه،فينقلب ذلك سلبًا على أعمل الخيِّرين،وجهود المخلصين.
وأمَّا الصّلابة في الحقِّ : فإنّ قمع المنكر وإزالة الباطل لا يمكن أن يتحقَّق إلاَّ برجالٍ لا يحابون في دين الله ، ولا يخافون فيه لومةَ لائم؛فإنَّ النَّاس بطبيعتهم يصعب انقيادُهم للحقِّ،وخضوعُهم للمعروف،فإذا كان الحقُّ ليِّن الجانب واهيَ القوَّة تعثَّرت جهود الإصلاح ، وتلاشت معالم الدَّعوة .
رابعاً: المحافظة على مراتب الأمر والنَّهي. من ضروريَّات فقه الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر حفظ تلك المراتب التي ذكرها العلماءُ ومراعاتها ، وهو ما يدعم منهج الوسطيَّة والاعتدال ،ويرسمُ آفاقاً واسعةً للدَّاعية تجعلُه مراعياً تماماً لجلب المصلحة ودرء المفسدة ما استطاع،والسَّير في خطا ًثابتةٍ نحو ترسيخ المعروف،وإزالة المنكر دون إفراط أو تفريط،وهذه المرتب هي:-
المرتبةُ الأولى :- أن يزول المنكر ، ويخلُفه ضدُّه .
المرتبةُ الثَّانيةُ : أن يقلَّ المنكر ، وإن لم يزُلْ بجملته .
المرتبةُ الثَّالثةُ : أن يزول المنكر ، ويخلُفه ما هو مثلُه .
المرتبةُ الرَّابعةُ : أن يزول المنكر ، ويخلُفه ما هو شرٌّ منه .
قال ابنُ القيِّم : " فتغيير المنكر في المرتبتين الأوليين مشروعٌ ، وفي المرتبة الثَّالثة محلُّ اجتهاد ، أمَّا في الرَّابعة : فهو محرَّم " .
وهذه المراتب في حقيقتها هي ضمانٌ للأمَّة من الفتنة ، وعصمةٌ لها من الفرقة وانتشار الضَّرر ، كما تعتبر تيسيراً للأمَّة ، ورفعاً للحرج عنها بمراعاة طاقتها واستطاعتها في إزالة المنكر ، وليبقى الإصلاح مرتبطاً بالموازنة بما يترتب عليه من المصالح والمفاسد ، وما ينشأ عنه من المحاسن والأضرار ، فإنَّ " درء المفاسد في الإسلام مشروطٌ بألاَّ يؤدّي إلى مثلها ، أو أعظم " .
خدوجة محمد
05-01-2007, 09:45 PM
بارك الله فيك أستاذى الفاضل
وكتب الله لك بكل حرف حسنة
دمت بود
vBulletin® v3.7.4, Copyright ©2000-2009, Jelsoft Enterprises Ltd.