المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النظام الغذائي والوقاية من السرطان


بنت بلادي
21-01-2008, 03:43 PM
النظام الغذائي والوقاية من السرطان

بقلم: أ.د. محمود نديم نحاس

نُشرت في جريدة عكاظ، العدد

12 رجب 1420 هـ الموافق 21 أكتوبر 1999م، ص 6

السرطان أحد أمراض العصر. ولا يزال الأطباء والعلماء يدرسون ويجربون من أجل معرفة كيفية التخلص منه، أو كيفية تفادي حدوث هذه الأورام الخبيثة. ولقد أنفقت المليارات في هذا السبيل، وأدى البحث إلى معرفة قيِّمة وطرق علاج كثيرة، ولكن لا يزال معدل الوفيات بهذا المرض مرتفعاً. وفي الولايات المتحدة الأمريكية تبلغ نسبة الذين يموتون بالسرطان (وبشكل خاص سرطان الثدي، وسرطان القولون، وسرطان البروستاتة، وسرطان الرئة) تبلغ هذه النسبة أضعاف مثيلاتها في باقي العالم. فمثلاً تبلغ نسبة الوفيات بسرطان الثدي عند النساء في سريلانكا حوالي (4) من بين كل (100) ألف امرأة، في حين تبلغ هذه النسبة في الولايات المتحدة حوالي (35) امرأة. هذه الأرقام المخيفة جعلت مراكز الأبحاث هناك تهتم بدراسة نوعيات الطعام لمعرفة تأثيرها على تكوين الأورام الخبيثة. ونتيجة لذلك ظهرت عدة كتب (بالإنجليزية طبعاً) تتحدث عن هذا الموضوع وترشد الناس إلى الأنظمة الغذائية التي تساعدهم على تفادي حدوث السرطان.

وليس عجباً أن يكون معظم التركيز في الغذاء المقترح لتفادي حدوث السرطان على الخضروات والفواكه. فقد تم اكتشاف عشرات المواد الكيميائية الموجودة في الخضروات والفواكه، وتمت دراستها في المختبرات وعلى حيوانات التجارب وثبتت فعاليتها في إعاقة تشكيل الأورام. ولا تزال الأبحاث جارية في هذا المضمار من أجل مساعدة بني البشر وإنقاذهم من خطر الأورام الخبيثة.

ورغم ذلك فهناك انتقادات حول بعض هذه الكتب لأنها نشرت نتائج أبحاث لم تبلغ حداً رصيناً من الدراسة. وحجة المعارضين أن هذه الدراسات المختبرية لم يتم تطبيقها سريرياً (أو إكلينيكياً)، أي على مرضى من الناس. ولم يتم القطع يقيناً بنوع الطعام المناسب وبأي نسبة منه لمعالجة نوع معين من السرطان، ولا يستطيع أحد حتى الآن أن يجزم أي الكيميائيات (والتي لا حصر لها) في البندورة مثلاً أو في اللفت هي التي لها أثر أكبر من غيرها في منع حدوث الأورام، لأن الوصول إلى هذا يحتاج لعدة سنوات من الدراسة السريرية. وأما حجة المؤيدين _ وهم أيضاً من العلماء – فهي أننا إما أن نأخذ بالأحوط ونعتمد على الدراسات المختبرية، وأما أن ننتظر سنوات طويلة حتى نحصل على إجابات شافية حول هذا الموضوع. إذ من المفترض أن نجرب كل مادة على ألف مريض وننتظر خمس سنوات لمعرفة تأثيرها، فمن ينتظر؟

ولمعرفة العلاقة بين النظام الغذائي والسرطان لابد أولاً من تبسيط كيفية حدوث الأورام السرطانية. وفي مقال للعامة في مجلة نيوزويك تم تبسيط هذا الأمر كالتالي: إن نمو الأورام السرطانية هي عملية طويلة وبطيئة، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل: المرحلة الابتدائية أو مرحلة النشوء، ثم مرحلة النمو، ثم مرحلة الانتشار. تبدأ مرحلة النشوء عندما يحصل تغيير في التركيب الجيني للخلية، مما يؤدي إلى انقسام فيها بشكل أكبر مما ينبغي. وهناك عدة أشياء يمكن أن تسبب تلفاً للأحماض (المسماة DNA) التي تتحكم بالوراثة والموجودة في نواة الخلية. ومن هذه الأشياء الفيروسات، والكيماويات، وبعض أنواع الأشعة، ولكن أهمها جزيئات الأكسجين المنتشرة في الجسم والتي تسبب الأكسدة وتنتج مواداً سامة. وهنا تأتي أهمية المواد الغذائية المحتوية على مواد مضادة للأكسدة بحيث تقوم بتعديل المواد السامة الناتجة عنها. ومن هذه المواد مادة موجودة في الشاي الأخضر، ومادة موجودة في البندورة، وأفضل ما تكون في صلصة البندورة أو البندورة المطبوخة، وأستميح القارئ في عدم ذكر الأسماء العلمية الطويلة لهذه المواد. وينفع أيضاً في هذا الصدد فيتامين C وفيتامين E ومادة بيتا كاروتين. وفي هذا الصدد يُذكر العنب الغني بالمواد المضادة للأكسدة.

أما الكيماويات فإنها في الغالب تدخل الجسم غير ضارة، ولكنها تصبح ضارة عندما يقوم الكبد بالتخلص منها حيث قد يحصل ما يسبب ضرراً للـ DNA ويسبب النمو غير الطبيعي للخلية. ومن المواد الغذائية المحتوية على مواد كيماوية مفيدة في هذا الصدد والتي تساعد على منع حصول ضرر لأحماض نواة الخلية نذكر: الثوم، والبصل، والزهرة (القرنبيط) والملفوف.

ويجب ألا يُنظر إلى هذه المواد على أنها شافية من السرطان، ولكنها تخفف من احتمال حصوله. فمثلاً في إحدى الدراسات استخرجت المواد المفيدة من العنب واستخدمت مع فئران التجربة فأنقصت احتمال الإصابة بسرطان الجلد بمقدار 88%. وهي نسبة كبيرة جداً ولا شك.

في مرحلة النمو تنقسم الخلية التي حصل فيها تغييرات سرطانية بسرعة. وهنا يأتي دور الزيوت التي يتناولها الإنسان في تسريع الانقسام أو إبطائه. وقد دلت الإحصائيات أن حالات سرطان البروستاتة في الولايات المتحدة الأمريكية (حيث تشكل الدهون حوالي 40% من الحريرات) هي أكبر بست مرات عما هي عليه في اليابان (حيث تشكل الدهون أقل من 20%). ولكن كمية الدهون ليست كل القضية، وإنما نوعيتها. فالزيوت المشبعة المضرة بالقلب والأوعية الدموية لا يبدو أنها تلعب دوراً مهماً في خطر الإصابة بالسرطان. ولكن أصابع الاتهام تشير إلى بعض الزيوت غير المشبعة، والتي تعتبر خفيفة على القلب (مثل زيت الذرة وزيت العصفر) في أنها تسبب تسريعاً لانقسام الخلايا السرطانية، في حين أن زيت الزيتون وزيت بزر الكتان وزيت السمك تُعتبر من الزيوت المثبطة للانقسام حيث تقوم بطرد الزيوت الضارة من الخلية. وقد دلت الإحصائيات على أن الشعوب التي تأكل السمك بكثرة يقل انتشار السرطان بينها حتى ولو كان نصيبها من الخضروات والفواكه منخفضاً. غير أن بعض الزيوت المفيدة في هذا الصدد قد يكون لها تأثير جانبي على تجلط الدم. وهنا يُنصح الناس بأكل السمك مرة كل أسبوع (بما في ذلك أسماك التونا والماكريل).

وفي مرحلة النمو السرطاني يلعب هرمون الأنوثة دوراً في تسريع انقسام خلايا الأنسجة التناسلية. وهنا يأتي دور فول الصويا الذي يحتوي على مواد تعاكس من تأثير هذا الهرمون. وبالتالي فأطعمة الصويا مفيدة في الوقاية من سرطان الثدي وسرطان البروستاتة. وفي دراسة على النساء الصينيات اللواتي يكثرن من أطعمة الصويا وجد أن نسبة إصابتهن في السرطان كانت أقل من اللواتي لا يكثرن منه بمقدار النصف.

في مرحلة الانتشار السرطاني تستطيع الخلايا السرطانية أن تطور لنفسها أوعية دموية جديدة. وهنا لا يكفي النظام الغذائي وحده في محاربة المرض. غير أن بعض الكيماويات الموجودة في بعض الخضروات والفواكه تساعد على عرقلته. ويُذكر هنا الصويا والكركم والجزر والعنب. والعنب الأحمر على وجه الخصوص يمكن أن يثبط من نمو هذه الأوعية. وهناك كتابات كثيرة عن العنب وفوائده الطبية. وفي جدة تقوم إحدى الجمعيات الخيرية بتوزيع كتاب مجاني عن التداوي بالعنب. وفي الختام أنقل قول أحد الباحثين: إن هذا كله للوقاية، وأنت لن تفقد شيئاً بالإكثار من الخضار والفواكه، ولكن إذا أردت المقامرة فابقَ على الأطعمة السريعة