المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكريسمس وقراءة في أهم ملامح الاحتفاء به


الدكتور عبدالحكيم ابوزيان
28-12-2007, 10:32 PM
الكرسميس وقراءةٌ في أهمّ ملامح الاحتفاء به
ينتظرُ الكثيرُون ممّن فُقِدُوا في مواقعهم على خارطة التَّنمية البشريَّة هذا الحدثَ للتعبير عن معاناتهم النّفسية المحبَطة، وعن رضاهم لما يجري في العالَم من اغتيال للفضيلة، وتزوير للحقائق على نطاق واسع.
وفي وسط هذا التذويب المصطنع للعقليّة المسلمة، والتغييب المبرمج لكلّ ملامح تميُّزها ومفاصل خصوصيّتها، ومحاولة تغريبها وقلب أنماطها عن كلّ ما هولها!!...وسط ذلك كلّه لابدّ وأن نتوقّف قليلاً لقراءة ما يمكنُ قراءتُه في هذه المناسبة لتذكير شبابنا، ولإزاحة ما يغشى نفوسنا من هاجس التقصير في واجب النُّصح لديننا والغيرة على وطننا وأمتنا...وذلك في هذه العجالة..
قراءة شرعية.
إنَّ القراءة الشرعية في هذا المضمار تدور بالدّرجة الأولى حول جانب مهم من جوانب العقيدة الإسلامية، هذا الجانب الذي يعدُّ الأخطرَ في حياة المسلم، وتكوين شخصيَّته المستقلّة بمفاهيمها وتوجهاتها، والذي فرّطت فيه الكثيرُ من فئام النّاس حيث إنَّ من مقضيات كلمة التوحيد، ومعانيها اللاّزمة لها صرفُ الولاء والبراء لله- تعالى- فهي تعني وجوب الولاء والمؤاخاة لكل من يحمل هذه الكلمة ويؤمنُ بها، والبراءة من كلّ من يحاربها أو يكرهها أو لا يؤمن بها، قال تعالى-:"قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده".
ولا أعني بذلك عسكرةَ هذا المفهوم كما يتصرّف البعضُ بقدر ما أعني به وجوبَ المحافظةِ على التَّميُّز والخصوصيّة وهو حقٌّ ثابتٌ لكلّ الأمم والشّعوب على وجه الأرض، كما أنها لا تعني نفيَ الآخر أو تهميشَه كما يروّجُ لذلك المُغرِضون!!.
إنَّ كلمة التوحيد ليست لفظاً يتردّد على الألسنة فقط بل لابدَّ من تحقيق شروطها، وانتفاء نواقضها، وتحقّق معانيها وظهور آثارها في سلوك المسلم وتصرّفاته وفق ما تقتضيه من معالم وحقائق.
هذا: وقد استفاضت الأدلّة من الكتاب والسنَّة والآثار الصَّحيحة الدّالة على النّهي عن التّشبّه بالكفار فيما هو من خصائصهم، ومن ذلك عيدهم بانتهاء السنة الميلاديّة المعروفة بالكرسميس.
والعيد: اسم جنس يشمل كلَّ يوم يعود ويتكرّر يعظّمه الكفار، أوكلَّ مكان لهم فيه اجتماعٌ دينيٌّ وكلّ عمل يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة فهو من أعيادهم، وكذلك كل ما يعظّمونه من الأزمنة والأمكنة التي لا أصل لها في الإسلام هو داخلٌ في أعيادهم وكل ما يحدثونه من أعمال كعيد الحب ونحوها.
فكيف حالُ البله من هذه الأمّة وهم يقيمون عشرات الحفلات السنويّة التي تذهبُ عن المسلم جلالةَ الحدث، وعظمةَ المناسبة، وفرحَ العيد الذي يجب أن يُفرح له سيما إذا كانت معظمُ هذه الحفلات مستجلبة من أمم تعيشُ حالةً من التيه تبحثُ فيها عن أيّ شيء يسكّنُ من خوفها وقلقها وحيرتها!!.
قال-تعالى-في وصف المؤمنين:"والذين لا يشهدون الزور"قال ابن سيرين ومجاهد والربيع بن أنس: الزّور: هو أعياد الكفّار، وقد ثبت عن أنس بن مالك أنَّه قال: قدم رسول الله-صلى الله عليه وسلَّم-المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذان اليومان؟" قالوا: كنَّا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال-صلى الله عليه وسلَّم-: "إنَّ الله قد أبدلكم بهما خيرا ًمنهما: يومَ الأضحى، ويومَ الفطر"(رواه أحمد برقم:11595،13058،13210، وأبو داود برقم:1134، والنسائيُّ برقم: 1556 بسند صحيح).
وتأمَّل معي أنّ هذين اليومين لم يكونا لأمر ديني بل هما من أجل اللعب فقط، فما بالك إذا كان العيد دينيًّا يقصد به مقيموه الإشادةَ بالتّطور المادّي الخاوي من القيم الرّوحية، والمبادئ الإنسانية، وإعجابهم بتلك النّظم الرّأسمالية الجائرة في استحواذها على الثروة، والمستعبدة بسياساتها الملوكَ والشعوبَ على حدٍّ سواء ؟!!.
إنَّ ما نراه من فقر يجتاح ثلاثة أرباع العالم، وما نشاهده من أمراض فتاكة تغتال الملايين من الفقراء ليس هو بسبب قلَّة نعم الله على النَّاس، أو بسبب نقص في موارد الأرض وماأودعه الله لهم فيها من الخيرات ، وإنَّما هو بسبب ظلم النَّاس بعضهم لبعض وعدم إقامتهم لمنهج العدالة الذي دعا إليه الإسلام، وبسبب الاستحواذ على الآخرين بالقوَّة والظّلم.
إنَّ الإسلام حريص على قطع الصلة بالحياة الجاهليَّة مهما عظم بهرجها، وامتلأ بدنُها فإذا خلت من منهج الإسلام وقيمه ودعائمه فهي جاهليّةٌ جهلاء مهما تقدَّمت وانتفخت، وتزخرفت وتزيَّنت.
عن ثابت بن الضّحَّاك-رضي الله عنه- قال: نذر رجلٌ على عهد رسول الله أن ينحر إبلاً ببوانة فأتى النبي- صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال:إنّي نذرتُ أن أنحر إبلاً ببُوانةَ، فقال-عليه الصلاة والسّلام-: "هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهليَّة يُعبَد؟ قالوا: لا، قال: "هل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال رسول الله: أوف بنذرك فإنَّه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابنُ آدم.(رواه أبو داود برقم:3313 بإسناد صحيح).
وقال عمر بن الخطّاب-رضي الله عنه-:"لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يومَ عيدهم فإنَّ السُّخطة تنزل عليهم-أخرجه البيهقيُّ برقم:18640-..
وقال-أيضاً-:"اجتنبوا أعداءَ الله في عيدهم"-أخرجه البيهقي برقم:18640-.
إنَّنا أمَّةٌ تعتزّ بدينها، وتفتخر بإسلامها، كما تسخر ممَّا تفعله الأممُ بنفسها، وتهزأ بما تصنعه الجاهليّةُ بأبنائها من تحنيط للرموز، ومسخ للعقول، وتعبيد للمظاهر والأشكال.
إنَّ الفرح بأعيادهم يعدُّ مظهراً من مظاهر موالاتهم، وهو أمرٌ يتنافى مع ثوابت الإسلام، وليس معنى البراءة منهم أن نظلمهم أوأن نغدر بهم، أو نقطع علائقنا بهم، قال تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم..".
إن كلمة التوحيد تعني الكراهة للظلم، وأشدُّ الظلم هو ظلمُ العبد لربّه بالشرك وعدم الإيمان:"إن الشّرك لظلمٌ عظيم"، والفرح بأعيادهم هوإقرارٌ لماهم فيه من خطإ الاعتقاد في الله – تعالى- وفي أنبيائه وكتبه.
كما أنَّ الاحتفال معهم يجرّ ُصاحبَه رويداً رويداً إلى استحسان ما هم عليه من انحرافات وقحة، وخرافات زائفة، قال-تعالى-:"وإما ينسينَّك الشيطانُ فلا تقعد بعد الذّكرى مع القوم الظّالمين" وقال: "وقد نُزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأُ بها فلا تقعدوا معهم حتَّى يخوضوا في حديث غيره إنَّكم إذا مثلُهم".
قراءة نفسية .
وعلى الصعيد النّفسي نجدُ من يحتفلون من أبناء جلدتنا سائرين على القاعدة التي تقول: إنَّ المغلوب شغوفٌ بتقليد الغالب، وذلك ناتجٌ عن الشعور النفسي بالإحباط والهوان والضعف.
إنَّها نقطة البداية في انهيار أيِّ أمَّة على وجه الأرض واستعمارها، بل واستحمارها لأنَّ الشعور بالانهزام والإحباط والتبعيَّة هو الاستعمار نفسُه، ولذا عقد ابن خلدون فصلين في هذا المقام عنون لأولهما بـ: فصلٌ في أنَّ المغلوب مولعٌ أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته، وسائر أحواله، ثم عنون للتالي بـ"فصل في أنّ الأمّة إذا غُلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء، ثم ذكر كلاماً نفيساً في ذلك أحيل القارئ عليه ليستفيد منه.
قد يظنُّ البعضُ أنَّ الاحتلال مرادفٌ للاستعمار، بل إنَّ الاستعمار- وإن كنت أتحفَّظ على كلمة"استعمار" التي ابتدعها الغرب لتبرير استباحتهم للآخرين- هو نتيجة لقابليَّته، وشعورٌ نفسيٌّ بالانهزام أمامه، فليس وجوده أصلاً يعني أنَّ الأمَّة مستعمرةٌ، بل إنَّ جاهزية الأمَّة لامتطائها، مع توافر تركيبة النَّقص والشعور بالانهزامية النفسية هو الاستعمار نفسُه، أمَّا تواجده فوق الأرض فقد يؤدّي إلى يقظة الأمَّة وتحريكها ونهضتها، وإحياء شعائر الجهاد والنّخوة فيها، ولم نسمع بأمة قطُّ احتلَّت إلا عن طريق خيانة أهلها، وتهيئة شبابها على نحو سافر للانقضاض عليها.
وانظر إلى فئة الشباب التي عليها عماد تكوين الأمّة كيف تبدو عليها ملامحُ الانهزام والتبعيّة من خلال تغريب ثقافته، وتخريب توجهاته، وتغييب وعيه .
إنَّ شغف المغلوب بتقليد الغالب هو مرض نفسيٌّ يولّد العديدَ من الترهُّلات المنتجة للكثير من المحاضن العفنة التي تدين بولائها للغالب، وتحسّنُ للآخرين اعتناق مذهبه، واستنساخ هُويَّته، وتصفق لانتصاراته، وتروّج لثقافاته، دون تقدير للظرف الطارئ على المغلوب، والانتصار المؤقَّت للغالب.
وللاستعمار في ذلك مظاهره ووسائله المعروفة ومنها:-
أ ـ سيادة ثقافة الاستهلاك، وانحسار الناتج المحلّي، إذ إننا لم نكتف باستيراد بضائعهم، واستهلاك منتجاتهم، ومدّ أيادي الاستجداء إليهم، بل إننا عمدنا إلى استيراد أفكارهم ومعتقداتهم، المبنية على محض الانتفاع والمصلحة، دون اعتبار لأي قيم أخرى، وليس ذلك بالضرورة، ولا يعني ذلك أنَّنا منغلقون على غيرنا أو أننا ندعوا إلى ثقافة الانغلاق، بل إننا نؤمن بتبادل الثقافات والمعارف وذلك على الصعيد العلمي والتجريبي البعيد عن خصوصيات الهوية، وثوابت الاعتقاد، ولكننا في الوقت نفسه نرفض-كمسلمين-تبديل الثقافات، ومسخ الهويات، فهناك فرق شاسعٌ بين المبادلة الهادئة والهادفة والمستقلّة، والتبديل القسري والمتعمّد.
ب ـ حركة الابتعاث التي تستقطب العديد من أبناء الأمّة المنهكين بفضاعة الجهل والتخلف، وعدم الثقة في النفس، والمنبهرين بالتقدّم المدنيّ للآخرين.
جـ ـ تأسيس المنظمات التي تحمل في ظاهرها الشعارات البراقة، وفي باطنها ثقافةَ التَّغريب والقولبة، التي تستغلُّ ما تسببت في جره على تلك البلدان من الفقر والجوع للاستحواذ على جميع قراراتها السّياديَّة، وللإملاءات الجائرة على شعوبها، ثمَّ تلقي بالزائد من ثرواتها في أعماق المحيطات، لكنَّ الشعوب المغفّلة تنظر إلى ذلك بأنَّه عملٌ حضاريٌّ وإنساني لا مثيل له في الدّنيا فيزداد تغريبها، ويستفحلُ هوانها.
تذكر التقاريرُ أن (18) ألف طفل يموتون جوعا كل يوم، و(850) مليون شخص يعانون من سوء التغذية في العالم حيث ينامون كل ليلة وبطونهم خالية من الطعام. حيث يشكل الأطفال نصف هذا العدد، منهم أكثر من 100 مليون في الهند و40 مليون في الصين و100 مليون في دول أسيوية أخرى و100 مليون في أفريقيا و30 مليونا في أمريكا اللاتينية.
وإنَّما الغرض الوحيد لمثل هذه المنظّمات هو ما ذكرنا تحت مسميات عديدة كالإنسانية، والتقارب، والحوار، والتعدديّة، والديموقراطية ونحوها...
قراءة سياسية.
ولنطرح هذا التساؤل: لماذا لا يحتفلون هم بأعيادنا؟ طالما هم يؤمنون بالحوار والديمقراطيّة وتبادل الثقافات وحوار الحضارات!!.
والجواب واضح، وهو: أنَّهم ينطلقون من مبدإ الاستعلاء والغلبة والغرور التي تخفي عنهم محاسن الآخرين ومزاياهم، وهذا الاستعلاء وذاك الغرور لم يصنعه هؤلاء البسطاء من تلقاء أنفسهم بل صنعناه نحن لهم بأنفسنا بسبب ثقافة الاستهلاك السّائدة، وغياب الوعي الحقيقيّ بشرائط النَّهضة وخصائص الحضارات، وعدم تمييزنا بين التقدّم المدني المستهتر وبين البناء الحضاري الواعد، كما اصطنعته لهم أبواقُ الإعلام المسيَّس، التي لا تتيح للشعوب أن تتلاقى ولا أن تتحاور بل تحاول أن تطحنهم في مصالحها، وتذيبهم في أتون التوجّهات الرأسمالية المستكبرة بآلاتها وشركاتها الضخمة والتي تعيش على مصلحة عدم استقرار العالم .
إنَّ أيَّ صفاء للودّ بين الشّعوب هو بالتأكيد نكدٌ يزعجُ سماسرة الحروب، وتجار الأسلحة، وصنَّاع القرار السياسيّ البعيد عن كل حيثيَّات القيم والأخلاق.
ولقد هيَّأ الإعلامُ الغربيُّ المدعومُ من دوائر صناعة القرار جميعَ شعوب الأرض لتنفيذ مشاريعه الاقتصاديَّة في العالم، وإن القرار في العالم لا تملكه سوى حفنة من الشركات العظمى التي تستحوذ على 90%من اقتصاديات العالم.
إنها المتاجرة بالموت والجوع والمرض والحروب والديمقراطيّة من أجل جني المزيد من الأرباح.
إن انتعاش أبنائنا بمثل هذه المظاهر وغيرها سوف يعكس مع مرور الزّمن المرصَّع بالبطالة المزمنة، والجهل المستفحل، وانفراط عقد الولاء والبراء خرقاً واسعاً في أمننا القوميّ؛ وذوباناً ماحقاً للخصائص الدّينيّة والثقافيّة والوطنية.