المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفتيا ح(3)


الدكتور عبدالحكيم ابوزيان
23-12-2007, 07:41 AM
وهناك ـ أيضاً ـ طوائفُ تسنَّمت الفُتيا،واحتكرت الاجتهاد،مدَّعيةً وصايتها على الأمَّة،وقيادتَها بدون منازع للطَّائفة المنصورة،والفرقة النَّاجية،آمرين البسطاء من النَّاس،والغوغاءَ من العامَّة أن يعلنوا مفاصلتهم لغيرهم من العلماء،ولكلِّ من يخالفهم في الرَّأي والاجتهاد،وأن يتبيَّنوا مواقفَهم في أدقِّ جزئيَّات الاجتهاد،وأعمق بؤر الخلاف،مما يعجز عنه فحولُ العلماء،بله العامَّةُ ومن ليس لهم من العلم ما يخرجُهم من دائرة التَّقليد!!.
وهذه بلا شكٍّ هي ثالثةُ الأثافي!!وهذا الصِّنف ــ إن صحَّ التَّعبير ــ هم من أشدِّ دعاة حزبنة الإسلام،وقزمنة الأمَّة، ومن أمهر قراصنةِ الحزبيَّة المقيتة،والقزميَّةِ المرتجلة.
إنَّ هذه المطاردةَ الدَّقيقةَ،والتَّفتيشَ المشبوهَ،لم يُعهَدْ له مثيلٌ ، في هدي النبي ــ  ــ ولا في هدي صحابته الكرام ــ رضي الله عنهم ــ ولا السَّلفِ الصَّالح والأئمَّةِ المتبوعين ، وإنَّما فرضه واقعٌ حزبيٌّ مذمومٌ،وصراعٌ منهجيٌّ محمومٌ،يتبنَّى منطقَ البديليْن،ويحتكرُ لنفسه الوِصايةَ على الأمَّة.
ولن يستطيع العلماءُ بأيِّ حالٍ من الأحوال أن يؤدُّوا رسالتَهم العلميَّةَ و الدَّعويَّةَ على أكمل الوجوه إلا إذا تحرَّروا علميًّا من عُقدة المذهبية الجامدة،وفكريًّا من لَعْلَع الحزبيَّة المنغلقة،واقتصاديًّا من ذلِّ الحاجة إلى الآخرين،و إلا فلا تزال الأزَمةُ تعصف بالفُتيا الشَّرعيَّة،وتعبثُ بالعلماء.
وإذا كان هذا هو ديدنَ من ينتسبون إلى العلم،فمتى يتسنَّى لنا أن نُلقيَ باللائمة على من سواهم؟.
إنَّنا بحاجةٍ إلى علماءَ لا يدفعون بالهمم، و يرتفعون بالعزائم إلى حدِّ الإفراط بالتَّكفير والتَّفجير ونفى الآخرين.
كما لا ينحدرون بها ،إلى حدِّ التَّثبيط والتَّخذيل والتَّقوقُع،أو ركوبِ بدعة الإرجاء والتَّجهُّم،أو هدم عقيدة الولاء والبراء بتلميع واقع الأمَّة المزري على كافَّة الصُّعُد...وهى معادلةٌ صعبةٌ بلا شكٍّ،تحتاج إلى ربَّانيَّةٍ خالصةٍ.
وفى اتجاهٍ مظْلمٍ آخرَ،بعيدٍ عن كلّ حيثيَّات العلم تجد من يضربُ في عشوائه،ويتسكَّعُ في باطله،ويسدِرُ في غيِّه،فيحاكمُ النُّصوصَ الصَّريحةَ الصَّحيحةَ إلى عقله القاصر المتهافت،وإلى هواه المفعم بالجهل، هروباً من الحرج والإعنات المترتِّب على عدم استعداده لفهم لغةِ الفقهِ،والولوج إلى تلمُّس اصطلاحاتِ المتخصِّصين،وهذا تفصٍّ غيرُ مسؤولٍ،يجعلُ صاحبَه مكشوفَ السَّوْءةِ،ممتهَنَ الجانبِ ،قد تضعضت دعائمُه،وانتكثت مرائرُه، أمامَ إشراقاتِ العلمِ،وأنوارِ الأدلَّة.
وفى مقا بِلِهم طوائفُ وجدت في إرضاء العامَّة فرصةً لقضاء المآرب،وتحقيقِ المنافع،وتقبيل الأيدي،فباركوا لهم العيشَ في أوكار الخرافة،وأوضارِ الدَّروشة،وأوهام البدع،فأقبِحْ بهم من صنفٍ آثر أن يعيش على رِِفد العامَّة،وأن يقتات بفُتاتهم!.
قال أبو العتاهية:
بكى شجوَه الإسلامُ من علمائه
فما اكترثوا فيما رأوا من بكائه
فأكثرُهم مستقبِحٌ لصواب من
يخالفُه مستحسنٌ لخَطائه
فأيُّهم المرجوُّ فينا لدينِه
وأيُّهم الموثوقُ فينا برأيِه؟؟
ورحم الله القائل:
حُججٌ تَكاسَرُ كالزُّجاج تَخالُها
حقًّا،وكلٌّ كاسرٌ مكسورُ
وعلى جهةٍ أخرى يأخذُ بك العجبُ من رجل ــ وما أكثرَهم! ــ كثيرِ العبادة،شديدِ الاحتراز عن ارتكاب الآثام، وتناولِ المحظورات،لكنَّه لا يتورَّع حين يُسئلُ أن يجيب،والحالُ: أنَّه معدودٌ في جملة العوامِّ ،بل ماله في العلم ثُمٌّ ولا رُمٌّ،وإنما رأى الناسُ عبادتَه ومظهرَه،فنادوه شيخاً،ونعتوه مفتياً،فصدَّق ذلك من نفسه،دون أخذٍ بأسباب العلم،أو مراعاة لضوابط الفُتيا،أو تخوُّفٍ من عواقب ما أقبل بجهله عليه . وهذا بلا شكٍّ خللٌ في مفهوم الالتزام والتَّديُّن،واضطرابٌ في ميزان العلم والإفتاء،وإنَّك لتجدُه يُدلى بدلوه في مسائلَ،ويخوضُ في نوازلَ،ويفصلُ في قضايا لو عُرضت على ابن الخطاب  لجمع لها كبارَ الصحابة !.
وربما أشكل عليه أنَّه سمع ذلك من عالم،أو قرأه في كتاب...ومن هنا حرَّم العلماء على المقلِّد أن ينقل الفتوى،خصوصاً إذا كانت في دقائق الأمور،وجزئيَّات النَّظر مما يتفاوت الحكمُ فيها بين المخاطَبين من المكلَّفين، لأنَّ الفتوى لها تنزُّلاتُها و ملابساتُها التي تؤثِّرُ في تكوينها ممَّا يُعرف عند الأصوليِّين بتحقيق المناط،وهذا يستوجبُ اجتهاداً في صلاحيَّة المحلِّ لتنزُّل الفتوى عليه،وهو أمرٌ لا يقدر عليه إلا من كان على اطِّلاع واسع بأحكام الشَّريعة،ومقاصد الدِّين، وأصول النَّظر وشرائط القياس .
وبتعبير آخرَ أقول:إنَّ توليد الفتيا يمرُّ بطوريْن مهمّيْن،هما:طورُ التَّكوين والتَّأصيل،ثمَّ طورُ التَّّمكين والتَّنزيل،وكلاهما لا يقتدره إلا متمكِّنٌ في العلم،بارع في النَّظر –كما أوضح ذلك جليًّا الشَّاطبي في موافقاته،وابنُ القيِّم في إعلامه-،وبالمناسبة أقول:إنَّ أغلب ما يقعُ فيه الخلاف بين العلماء هو الطَّورُ الثَّاني من الفُتيا لاختلافهم في المؤثِّرات والمساحات التي يمكن أن ينزل عليها الحكمُ والتي تحتاج ــ كذلك ــ إلى اجتهاد،ومن هناحرَّم كثيرمن العلماء نقلَ الفتيا من قبَل المقلِّدين!.
يقول ابنُ القيِّم:من أفتى النَّاس وليس بأهلٍ للفَتوى فهو آثمٌ عاصٍ، ومن أقرَّه من وُلاة الأمور فهو آثمٌ ــ .
ويقولُ على:قصم ظهري رجلان،عالِمٌ متهتِّكٌ ، وجاهلٌ متنسِّكٌ،فالجاهلُ يغُرُّ النَّاس بتنسُّكه،والعالِمُ يغرُّهم بتهتُّكه .
وفي تقديري:أنَّ العالِمَ متى تصدَّر للفُتيا فلابدَّ حينئذٍ من شرط سلامته في أربعة أشياءَ :قلبِه وظهرِه وعقلِه ويدِه؛أمَّا سلامةُ قلبِه فتتحقَّقُ بإخلاصه،وتجرُّده،وأمَّا سلامةُ ظهره،فتتحقَّقُ بصحَّةِ ما يحملُه من علمٍ شرعيٍّ موثَّقٍ،ومنهجٍ اجتهاديٍّ موفَّقٍ،وأمَّا سلامةُ يده فتتحقَّقُ بتحرُّره من الحاجة إلى الآخرين؛فإنَّ الطَّمع في الجاه والمال والمنصِب والتَّقديم لمَّا يزلْ يفتك بالعلماء في دينهم بتنكُّرهم للحقِّ وتنصُّلهم من المسؤوليَّة،وأمَّا سلامةُ عقله،فتتحقَّقُ بفهمه المستنيرِ،وفقهه المنسجِمِ مع مقاصدِ الشَّريعة ومكارِمِها،وحسْنِ سَمته،ووقاره،وتنزيله الفتيا في موطنها الصَّحيحِ زماناً،ومكاناً.
إنَّ الأعمى لا يملك هدايةَ نفسه،بله يرشد المتبصِّرَ إلى سبيل هدايته،كما أنَّ المتطبِّب لا يملك أن يكشف للمريض كوامنَ علَّته،واستفحالَ دائه وفاقدُ الشيء لا يعطيه،وهؤلاء ــ كما قال ابنُ الجوزي ــ :هم بمنزلة من يدلُّ الرَّكْب وليس له علمٌ بالطَّريق،وبمنزلة من لا معرفة له بالطِّبّ،وهو يَطِبُّ النَّاس،بل هم أسوأ حالاً من هؤلاء جميعا .
وكما قال الشَّافعيُّ :المستفتى عليلٌ،والمفتى طبيبٌ،فإن لم يكن ماهراً بطبّه قتلَه .
أعمى يقودُ بصيراً لا أبا لكمُ
قد ضلَّ من كانت العميانُ تهديه
إنَّ مفهوم الفتيا هو مرادفٌ لمفهوم الاجتهاد المطلَق عند المتقدِّمين من العلماء،فالمفتى هو من كان بصيراً بطرائق الاجتهاد،قادراً على فحص الأدلَّة،ونقدها وتمييزها،ثمَّ بعد أن خارت العزائمُ أصبح يُطلق على المجتهد غير المستقلِّ،أي:الذي يستطيعُ الإفتاءَ في النَّازلة على وِفاق أصول إمامه،وقواعد المذهب،ثمَّ كلَّت الهممُ شيئًا فشيئًا حتى أصبح يُطلق على من ينقُل فُتيا غيرِه،واجتهادَ من يقلِّدُه دينَه،بشرط أن يكون أمينًا في نقله،قادرًا على التَّمييز والاختيار،وهو بهذه الصِّفة مخبِرٌ،وناقلٌ،وإنما يُنعت مفتِيًا على سبيل المجاز لا الحقيقة،فيا ليتَ من يتكلَّم في شرع الله يكونُ في أضعف أحواله على هذه الرُّتبة !!.
وإن شئتَ أن تتحقَّق من درجات المفتى ومنازل الإفتاء،وخطر الفُتيا فارجع إلى أدب المفتى لابن الصَّلاح،ومقدِّمة المجموع للنَّووي،وصفة الفتوى لابن حمدانَ وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر،والفقيه والمتفقِّه للخطيب البغداديِّ،،وغيرها تجدْ بُغيتَك،ويذهبْ ظمؤُك. ولا ضير َإن سُئلتَ ألا تجيبَ،أتُريد أن تجعل من ظهرك جسْرًا يعبُر منه النَّاس على متن جهنَّم؟.
إنَّ عدم معرفة الجواب لم يحرج مالكاً،ولم يُنقِص من قدره ولا من جلاله وهيبتِه عندما سُئل في مجلسٍ واحدٍ أربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها :لا أدرى !!!. يقولُ ابنُ وهبٍ:" لو كتبْنا عن مالك لا أدري لملأنا الألواح".
اللهُ أكبرُ...كم تحرصُ الأفذاذُ على الوفاء بعهودها وتحمِّل أماناتها....وكم تكابِدُ الرِّجالُ في كبْح جِماح نفوسها وإلجامِها عن فلَتاتها!!!
اللهُ أكبَرُ..كم ترك لنا الأوائلُ من مناراتٍ ودلائلَ لو ارتقت نفوسُنا إليها،وطمحت في ارتيادها لصافحت الجوزاء ، وناطحت السَّماء ،ولكن لله في خلقه شؤ ون !!.