المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفتيا ح(2)


الدكتور عبدالحكيم ابوزيان
15-12-2007, 11:01 PM
إنَّ الأمرَ بالمعروف والنَّهىَ عن المنكر أمرٌ واجبٌ على مجموع الأمَّة..لا يتمارى في ذلك عاقلان،لكنَّه مشروطٌ بحفظ مراتبه،في ضوء ما ينشأ عنه من مفاسد ومصالح،وما يترتَّب عليه من خيراتٍ وشرور،وهذه المراتبُ ــ كما وضعها العلماءُ باستقراء نصوص الشَّريعة ، وتتبُّع مقاصدها ــ هي:
1.أن يزولَ المنكرُ،ويخلُفَه ضدُّه.
2.أن يقلَّ المنكرُ،وإن لم يزُلْ بجملته.
3.أن يزولَ المنكرُ،ويخلُفَه ما هو مثلُه.
4.أن يزولَ المنكرُ،ويخلُفَه ما هو شرٌّ منه. قال ابنُ القيِّم:"فتغيير المنكر في المرتبتين الأوليين مشروعٌ،وفى المرتبة الثَّالثة محلُّ اجتهادٍ،أما في الرَّابعةُ فهو محرَّمٌ".
وقال في موضع آخرَ:"فإن كان إنكارُ المنكر يستلزمُ ما هو أنكرُ منه، وأبغضُ إلى الله ورسوله، فإنَّه لا يسوغ إنــكارُه ــ وإن كان الله يبغضُه ويمقتُ أهلَه ــ وهذا:كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم،فإنَّه أساسُ كلِّ شرٍّ وفتنةٍ إلى آخر الدَّهر".
إنَّ الخطاب القائم على تهييج العواطف،وإثارة الحماسة،ودغدغة الأحاسيس،دون توجيهٍ علمىٍّ متَّزن، ونهوض حضارىٍّ متعقِّل،وإعداد متوازن يأخذ في اعتباره واقعَ الأمَّة وإمكانيَّاتها المادِّيةَ والرُّوحيَّةَ،هو غالبًا ما تترتَّبُ عليه نتائجُ كارثيَّةٌ،وعواقبُ وخيمةٌ بكلِّ المقاييس..
إنَّ القفز على هذه المراتب،كثيراً ما يؤدِّى إلى قلب النَّتائج،باستفحال المنكر،واضمحلال المعروف .. وذلك بسبب فقد الدِّراسة الدَّقيقة والواعية للمقدِّمات ونتائجها، وفْق أسلوبٍ علميٍّ رياضيٍّ متكامل!. وعلى الخطِّ المقابل من المجافاة ــ أيضاً ــ تَرِد الفتاوى التي تصدُر عن بعض من ينتسب إلى العلم في هذا الزَّمن ، متَّسمةً بالتَّساهل، وتمييع أحكام الشَّريعة،بتعليم الحيَل،والبحثِ عن المخارج،ولو بأدنى الأقوال،وأوهى الآراء،التماساً للحُظوة بين العامَّة،وتلميعاً للوجه لدى الخاصَّة،تحت مؤثِّرات الهزيمة النَّفسيَّة،والأطماع المادِّيَّة،والطُّموح إلى الارتقاء في سلَّم الدِّعاية والشُّهرة،وخطف الأضواء!!حتى تجرَّأ الكثير ون على تبرير الواقع،والسَّعي من أجل إبقاء ما كان على ما كان،ولو بتغيير الألقاب والمسمَّيات،وقلب الحقائق والمصطلحات،بما يوافق الأهواء،ويلبِّى الرغبات،باسم التَّيسير،والتَّرغيب ،والضَّرورة والحاجة، والمرحليَّة، والواقعيَّة...إلى آخر الذَّرائع التي يتمُّ بها تمييعُ التَّكاليف الشَّرعيَّة،بل قلبُها برمَّتها،وتفصيلُها حسْب الحاجة ووِفْقَ الطَّلب لا على وفاق الضَّوابط الشَّرعيَّة، حتى بلغت الدَّلوُ الحمْأةَ،وتفاقم الصَّدْعُ،وحَكَم الأدِيمُ،وبلغت السّكينُ العظمَ. لينتجَ عن ذلك مجموعةٌ من الحلول التَّلفيقيَّة، والتَّدخُّلات الجراحيَّة التي تشوِّه الصُّورة، وتغيِّر الملامح ، وتعود بالشَّكل إلى أقبحَ مما كان عليه.