المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المختار أسد الصحراء


مصطفى حمودة
20-05-2007, 06:08 PM
تعج حياتنا بسلسلة طويلة من الأحداث التي تندرج تحت مسمى الذكريات التي قد تكون سعيدة أو حزينة .
ولعل أهم الذكريات على قلوبنا والتي تجعل كل ليبي يفتخر بماضي أجداده العريق والكبير هي ذكرى استشهاد شيخ الشهداء الشيخ البطل الجليل "عمر المختار" الذي قدم تاريخاً ملحمياً جهاديا ً سطره بدمائه ودماء رفاقه الشهداء الأبرار وعندما يتردد اسم هذا البطل المغوار فالفخر لكل عربي من مشرق الأرض لمغربها .
كبداية كل البشر ولد عمر المختار 1862 م من أبوين فاضلين ويرجع نسبه إلى قبيلة المنفه إحدى كبريات قبائل المرابطين ببرقة عاش يتيماً فقد وافت المنية والده مختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة بصحبة زوجته عائشة ..
لقد كان طيباً ونعم الجار يزرع الفضيلة في نفوس أبناء بلده سخّر حياته في سبيل الله حيث كان شيخاً جليلاً يحفّظ الغلمان ما تيسر من الذكر الحكيم .
وحالما دقت نواقيس الخطر وأعلنت حالة النفور للحرب أعد العدة من السلاح والخيول والفرسان ولم يتهاون للحظة في سبيل الذود عن الوطن ومقدراته فأبان عن نفسه أسداً هصوراً يقاتل لأجل أن لا يعتدي الدخلاء الذين يريدون المساس بعزة وكرامة أهل البلاد قاصدين تدنيس ترابها الطيب بنعالهم السوداء كقلوبهم الصماء وفي نيتهم بث الرعب والخوف في قلوب أهلها جرءا همجيتهم ووحشيتهم التي تشربوها بالفطرة .
هو ليس أول الفرسان وليس أخرهم ولكنه دون جدال هو المجاهد الصنديد ذو النخوة العربية ورغم كونه في الخمسينيات من عمره أبى إلا أن يكون في مقدمة الصفوف فتياً شجاعاً مقداماً أبياً يقود جنداً من البواسل حاملاً ذخيرته البدائية وهم يسيرون على خطاه تتجندل الأرض تحت أقدامه ورفاقه ويهلل بأعلى صوته شاهراً سلاحه في وجه أعداء الله
" ننتصر أو نموت " - شعاراً قد ألفناه وقد صار بعد ذلك رمزاً لكل مقاومة تعد العدة للذود عن ترابها الغالي – يبث صراخه الذي يهيأه لهم خوفهم وهرعهم من الحق وكأنه أسد ٌ يزأر يبث الرعب والجمود ويفقد العدو سيطرته على سلاحه لقد كان في نظر الكثيرين حتى الأعداء منهم بأنه من المستحيل أن يموت فقد كان أسد الصحراء كما " شهد شاهد من أهلها" عندما اعترف الاستعمار الفاشستي، بل كان البطل الذي لا يموت وكان الفارس الذي لا يهزم ولا ينهار لقد كان حقاً صديقاً للعزيمة والإصرار .
في صبيحة يوم ما قبل المحاكمة رغب غرسياني في الحديث مع عمر المختار وحسب ما ورد ذكره على لسان غرسياني نفسه في كتابه ( برقة المهدأة ) :
" عندما حضر أمام مكتبي تهيأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية ، يداه مكبلتان بالسلاسل ، رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة ، وكان وجهه مضغوطاً لأنه كان مغطياً رأسه ( بالجرد ) ويجر نفسه بصعوبة نظراً لتعبه أثناء السفر بالبحر ، وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال له منظر وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأسر ، هاهو واقف أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح ."

غراتسياني: لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة لفاشستية ؟
أجاب الشيخ : من أجل ديني ووطني.
غراتسياني:ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه؟

فأجاب الشيخ : لا شئ إلا طردكم … لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند الله.
غراتسياني: لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك إن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم ؟.
فأجاب الشيخ: لا يمكنني أن أعمل أي شئ … وبدون جدوى نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الأخر، ولا نسلم أو نلقي السلاح…
ويستطرد غرسياني حديثه " وعندما وقف ليتهيأ للإنصراف كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط به فارتعش قلبي من جلالة الموقف أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولقبت بأسد الصحراء. ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد, فانهيت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء, وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمصافحتي ولكنه لم يتمكن لأن يديه كانت مكبلة بالحديد."
ومن مآثر هذا الشيخ الجليل أنه كان يعرف أنه يجب عليه أن يتوفاه الله لكي يشكل جسده الطاهر جسراً للعبور وامتداداً عظيماً نحو النصر لتتوالى الأجيال عزيزة كريمة ومع ذلك لم يتنازل للحظة عن رغبته في الحياة فالحياة في نظره لأجل الوطن أكثر نفع من الموت له فهو يعلم بأنه الملهم النصر لرفاقه بعون الله .
أضف إلى ذلك أنه قد حطم قيود العبودية ورسم شعاراً للإنسانية ورفع رايةً للأحرار صار في سماء الإسلام شعلةً مضيئة جندياً من جنود الله المصلحين ومن الأخيار الذين خلفوا الله في الأرض وأبطال كهؤلاء يأمر الله لهم الأرض بأن تلين لهم فتلين والسماء أن تنير دروبهم فتنير ويأمر الشمس بأن تشرق إكراما ً لأرواحهم وإرادتهم الإيمانية العميقة .
لا أعرف إذا ما كانت السماء من الأرض عليه تغار لأنه مشى عليها بكل وقار ، لكنني أعرف بأن الأرض من السماء قد صارت تغار لأنه حشر فيها مع الأنبياء وأولياء الله الصالحين والبررة الشهداء وهذا حديث لا جدال فيه فهو لم يفر من ساحة الخلود ساحة القتال ولم يرضى أمام خصمه الانكسار لم يخن ولم يكُ شيخاً غدّار ولم يكُ عتياً وجبار كان من شيمه الإنذار وسيفه لأجل كلمة الحق بتّار كان بالفعل للإسلام والمسلمين والعالم قبساً منار .
لقد أثر مشهد إعدامه في نفوس كافة شعوب العالم ..وهو يهلل..
" نحن لن نستسلم ... ننتصر أو نموت
سوف تأتي أجيال من بعدي تقاتلكم
أما أنا فحياتي سوف تكون أطول من حياة شانقي "
لكن لا بأس ..فالمشنقة النهاية الطبيعية للأبطال الذين رفضوا أن يبيعوا تراب وطنهم بل آثروا شراؤه بدمائهم وأرواحهم التي تخصهم والتي تخص أبنائهم وعائلاتهم .
ولا داعي للبكاء والنحيب عندما نعرفه قد توفاه الله واقفا ً ذو جلد وبأس شديد سار بملأ إرادته لحتفه وهو لا ينظر أمامه سوى وجه ربه العلي وهو يدعوا " اللهم إني وددت قربك فقربني إليك، اللهم أنني أثرت لقياك فلاقني" .
لقد فرض احترامه وهيبته ووقاره حتى على أعدائه لقد تمنوا أن لا يتخذوا ضده إي نوع من أنواع العنف لأنه كان رمزاً للوطنية وحب الإيثار يفتخر به العالم وخسرانه خسارة للبشرية بأسرها ، فهو الذي عرضت عليه كنوزٌ وعروش فبانت أمام غلاء وطنه أحجار ، خيّر بين الموت أو حياة الملوك فإلى الموت والنعيم الأبدي بيده أشار ، فقط تمعنوا في هذه المغريات التي عرضت عليه وبين يديه في زمن يحلو للبعض أن يحضى بسلطة وجاه وسلطان من امتلاك للقصور والأموال والحلي ، ألم يكن موقفه من موقف خير الأنام عندما جاء وفد من قريش إلى عمه وطلبوا منه أن يخبر ابن أخيه على أنهم مستعدون لجعله سيداً عليهم وإعطاءه المال الكثير وتطبيبه مقابل أن يتخلى عن الدعوة إلى الإسلام ..
فلما أخبره بذلك قال :
" والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الدين ...ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك دونه "..

لقد سار المختار على درب رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ..وكفى..


في الكون أصدقاء لا يفترقون العزيمة والإصرار وعمر المختار..

خالد النعاجي
20-05-2007, 09:58 PM
بارك الله فيك اخى مصطفى . على هذا الموضوع الجميلوان شاء الله ماننحرم من ابداعات قلمك

مصطفى حمودة
22-05-2007, 03:40 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنست بوصالك أخي الكريم خالد ..
تقبل فائق تحاياي..