المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قاعدة ذهبية


Omar
20-05-2007, 12:18 PM
لا ضرر ولا ضرار




هذه العبارة الجامعة الفذة حديث شريف رواه الدار قطني عن أبي سعيد الخدرى ، وقال عنه الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وهي مؤكدة بصيغ أخرى كقوله صلى الله عليه وسلم: " ملعون من ضار مؤمناً أو مكر به " ( رواه الترمذي عن أبي بكر وقال حديث غريب ) ، وقوله : " من ضار أضر الله به "( رواه ابن ماجة وأبو داود عن أبي صرامة ) ، أو قوله:" من، ضار مؤمناً ضار الله به "( رواه الترمذي عن أبي صرامة وقال حديث حسن غريب ) .

ولعل أجمل ما ورد في تعريف الضرر والضرار، ما ذكره السيد رشيد رضا رحمة الله في تفسير سورة المائدة: " أي: رفع الضرر الفردي والمشترك " ومنه أخذت قاعدة دفع المفاسد وحفظ المصالح مع مراعاة ما علم من نصوص الشارع ومقاصده .

وقد جاء تحريم الضرر في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ " وقوله :" وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَه "ُ مع قوله سبحانه عن الخمر والميسر: " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا " فجعل الإثم نقيض النفع فهو الضرر إذن، وهو- كما نرى- محرم بنص القرآن، لا يحل للمسلم أن يضر بنفسه أو يضار بغيره. وذلك في كتاب الله كثير .

فلننظر الآن كيف يتجلى هذا المبدأ في شؤون الصحة :

ا- الإضرار بالنفس :

وهذا محرم لقوله عز وجل: " وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ "( النساء: 29) وقوله سبحانه: " وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة "( البقرة : 195 ) وقوله -صلى الله عليه وسلم - " لا ضرر".
فلا يجوز للمسلم أن يعرض نفسه لخطر المرض أو الإصابات بأي شكل من الأشكال لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه " قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: "يتعرض من البلاء لما. لا يطيقه " .

ويكون تعرض المرء للأمراض، والإصابات بتعرضه لأسبابها، أو تهاونه في عدم اتقائها، أو تهاونه في حفظ صحته عليه. وقد وجه الإسلام إلى السبيل القويم في ذلك كله، فأوجب على المسلم:. أن يحرص على ما ينفعه من سبل الحياة الصحية كالتغذية بالغذاء الحسن والاعتدال فيه وفي المشرب، واتخاذ بعض الرياضات التي تحفظ عليه سلامة أعضائه وما إلى ذلك؛ وأن يقدم لجسده كله ولكل عضو من أعضائه حقه من الرعاية والإراحة والعناية، لقوله صلى الله عليه وسلم" احرص على، ما ينفعك " ، ولحديث: " وخذ من صحتك لمرضك " ، ولقوله -صلى الله عليه وسلم - : " ما أطعمت نفسك لك صدقة " ، وقوله: " إن لنفسك عليك حقاً " ، وقوله: " إن لجسدك عليك حقاً .. وإن لعينيك عليك حقاً… " .
أن يتخذ كل أسباب الوقاية من الأمراض لأن التوقي يكفل الوقاية. فقد قال صلى الله عليه وسلم : " ومن يتوق الشر يوقه "
ويدخل في ذلك البعد عن مصادر المرض كاجتناب مقارفة الزنى واللواط وسائر الفواحش ، لقوله تعالى: " وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً " سورة الإسراء : 32 ، وقوله "وَ لاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ "( الأنعام: 151) .

كما يدخل في الوقاية البعد عن مصادر الإثم، لقوله سبحانه:" وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ "( الأنعام: 120 )

والإثم- كما يقول السيد رشيد رضا رحمه الله في تفسيره- " كل ما فيه ضرر في النفس أو المال أو غيرهما، وأشدها المضار والمفاسد الاجتماعية ".

ومن الإثم المسكرات والمخدرات وكل ما يخامر العقل ؛ " وقد قال ربنا سبحانه:" يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ " ( البقرة: 219)، وقال جل جلاله: " إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ " والاجتناب أعلى درجات التحريم.

ويدخل في التوقي كذلك عدم التعرض للمصابين بالأمراض المعدية. كما يدخل في ذلك التطعيم لتوقى كثير من الأمراض المعدية.

* أن يتخذ كل أسباب الوقاية من الإصابات. والأصل في ذلك ما ورد عن النبيصلى الله عليه وسلم " إذا غرستم ( أي نزلتم للنوم بالليل) فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل " ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ريما ما خلفه عليه " .

* أن يتداوى إذا أصيب بالمرض لقولهصلى الله عليه وسلم : " تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء " -

الاضرار بأفراد الأسرة


الوالدين والولد والزوج والزوجة.. فهذا أيضاً محرم داخل في حكم الضرارفقد أوصى الإسلام الإنسان بوالديه فقال سبحانه: " وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ..." وقالت عز من قائل:" وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " ، وكان رسول الله : (صلى الله عليه وسلم ) " ينهى عن منع وهات وعقوق الأمهات وعن وأد البنات " ، وروي عنه أنه قال:" ملعون من عق والديه " ، وأي عقوق أسوأ من أن يفرط في صحتهما التي تحفظ عليهما نفسيهما. كذلك أوصى الإسلام الوالدين بالولد، وأوصى كلاً من الزوجين بالآخر وعلى الأخص الزوج بزوجته، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم ): " استوصوا بالنساء خيراً " .
فالتفريط في حق الوالد أو الزوجة أو الزوج أو الولد، وفي حفظ صحتهم عليهم ووقايتهم من الأمراض.. حرام،

ومن ذلك أيضاً قول النبي (صلى الله عليه وسلم ) :" كفى بالمرء إثماً أن يضيع من بقوت " وقوله:"ليس منا من لم يرحم صغيرنا "
ومن أظهر مظاهر الرحمة حفظ صحته ووقايته من الأمراض. ومن أهم سبل حفظ صحة الطفل الحرص على إرضاعه من الثدي في العامين الأولين من عمره، فذلك يزوده بالتغذية الفضلى، وبالأجسام المناعية المضادة التي تنتقل إليه من ألام في لبنها، ويحافظ على صحته وصحة أمه بالمباعدة بين الأحمال ، لان الرضاعة تمنع الحمل في الغالب.

وقد قال ربنا عز وجل: "وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ " . وقد كان من أهم عناصر البيعة التي يأخذها النبي (صلى الله عليه وسلم ) من النساء جميعاً أن "وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ "


يتبــع

Omar
20-05-2007, 12:26 PM
فالواجب على المرء إذن في حق أفراد أسرته:

1- أن يتخذ كل أسباب وقايتهم من الأمراض، ويدخل في ذلك إبعادهم عن مصادر العدوى، كما يدخل فيه وجوب تطعيمهم بحسب اللزوم لتوقى كثير من الأمراض المعدية فلو فرط الأب أو الأم مثلاً في تطعيم ولدهما، فإنهما يعرضانه للضرر وقد نهاهما الله عز وجل عن ذلك، وقد يؤدي تصرف كهذا منهما مردة إلى الجهل والسفه إلى تعريضه للتهلكة وتعريضهما للخسران لقوله سبحانه " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ "

2- أن يحرص على ما ينفعهم من سبل الحياة الصحية كتغذيتهم بالغذاء الحسن وحثهم على الاعتدال! فيه، وجعلهم يتخذون بعض الرياضات التي تحفظ عليهم صحته وأن يداويهم إذا تعرضوا للمرض.
وليس يخفى أن من أهم المخاطر التي يتعرض إليها الولد الأعزل الغر، أن يكون أحد أبوبه أو كلاهما مدخناً، فيفسرانه على استنشاق أدخنه السجائر، ويعرضانه إلى الإصابة بمختلف الأمراض التي قد تنشأ عن ذلك.

وواضح أن في ذلك حرمة مضاعفة، لما فيه من تفريط بحق الوقاية، وإكراه على التعريض للخطر وهو صغير لا حول له ولا قوة.

- الإضرار بالناس جميعاً.

ولاسيما بالجار. وهذا محرم لقوله صلى الله عليه وسلم :" لاضرر ولا ضرار " وقوله صلى الله عليه وسلم: " من ضار أضر الله به " وقوله:" والله لا يؤمن " قالوا: " من هو يا رسول الله خاب وخسر " قال: " من لا يأمن جارة بوائقه " متفق عليه .

قال الإمام ابن تيميه في فتاويه : " فإذا كان هذا بمجرد الخوف من بوائقه، فكيف فعل البوائق مع عدم أمن جاره منه؟ ( والبوائق : الغوائل والشرور).

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك " متفق عليه عن أبى ذر .

لذلك لا يحل للمسلم مثلاً أن يدخن في مركبة مغلقة - سيارة أو طائرة أو مقصورة- فليحق الضرر بجيرانه فيها جميعاً ويعرضهم إلى مخاطر هذا المنشوق الخبيث.
وهو وإن كان لا يجوز له أن يدخن ولو كان وحده فيعرض نفسه إلى أسباب المرض والهلاك، فعدم جواز ذلك في حق الغير أظهر. فالجار في مقعد الطائرة جار، وفي الأماكن العامة جار، والجار في داخل، البيت جار ذو فربى..

وقد أمرنا الله سبحانه في سورة النساء بالإحسان إلى الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب.. وليس تعريض أي منهم إلى مضار التدخين من الإحسان في شيء. .

وقل مثل ذلك في الذي يلقي بفضلات بيته إمامه فيؤذي جيرانه ويؤذي المارة، أو الذي يصيب نفايات مصنعه في نهر أو جدول أمام مصنعه، وما شابه ذلك من، البوائق التي ينطبق عليها جميعاً حكم الضرر أو حكم الأذى على الأقل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم " بل قد حرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً تعريض أي من أفراد المجتمع لأي أذى أو ضرر، وأقر باتخاذ جميع الاحتياطات الكفيلة بوقايتهم من ذلك، فقال مثلاً : "من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل ( سهام)، فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه، أن يصيب، أحداً من المسلمين منها بشيء " متفق عليه .

حفظ صحة البيئة فيه سلامة المجتمع وحماية لأمة المسلمين من الضرر وإعلاء لكلمة الله،

ومن هنا نلاحظ أن الأحاديث الشريفة تتناول جوانب الوقاية والحماية بدرجة تكون أقرب إلى الأمر والإلزام.
وكلما كانت الحماية مرتبطة بالمقاصد الخمس التي جاءت بها الشريعة كانت درجة الإلزام أكبر.

فالإسلام يأمر الفرد بالابتعاد عن موطن الوباء ولكن وقاية المجتمع المسلم من انتشار الوباء تعلو على مصلحة الفرد الواحد وبذلك تصير التضحية بالنفس في سبيل سلامة المجتمع شهادة في سبيل الله .
روى البخاري وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس من أحد يقع الطاعون ، فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد "

Omar
27-11-2008, 09:16 AM
قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك " متفق عليه عن أبى ذر