Omar
08-05-2007, 03:36 PM
ضوابط التمتع الجنسي بين الزوجين
السؤال :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: من قوله تعالي ( لا حياة في الدين) أريد أن أسأل : هل يجوز للزوجين الاستمتاع بجسديهما أثناء عملية الجماع هنا اقصد علق أعضاء الجسم الحساسة وكذلك تقبيلها؟ وهل يوجد دليل أو دليل من القرآن والسنة يجيز أو يحرم فعل دلك ؟ لكم منا جزيل الشكر والعرفان وبارك الله فيكم وجزاكم الله كل خير وإحسان. والسلام عليكم
الجواب :
أولا أخي الكريم أود تنبيهك والأخوة القراء إلى مسألة هامة تتعلق بعبارة 'لا حياء في الدين' التي وردت في سؤالك الكريم .. فبداية العبارة وردت بالتاء المربوطة وهذا فيما يبدو مجرد خطأ كتابي، ويظهر أنك تقصد العبارة المشهورة على ألسنة الناس وفي كلام العامة 'لا حياء في الدين' .. وهذه العبارة المتداولة بين الناس فيها بعض المغالطات أجملها فيما يلي:
1- بداية هي ليست آية ولا حديثا نبوياً، فليست نصا شرعياً يعتمد عليه ويتبرك بذكره.
2- ثم إن المقصود بها وهو أنه لا ينبغي للمرء الحياء من السؤال في الدين وتعلم ما يهمه من أمر دينه مهما صاحبه من شعور بالخجل ونحوه، إذ أمر التعلم وطلب الفهم أولى من ذلك بكثير وأهم.
3- أن الإشكال في هذه العبارة - رغم ظهور المعنى الطيب الذي يُقصد من ورائها - أنها قد تُفهم فهما بعيدا عن الإسلام ومناقضا لمبدأ من مبادئ ديننا الحنيف ألا وهو الحياء، إذ الواقع أن الحياء مِن أسس الدين وأحد دعائمه !!..
فالحياء صِفة من صفات رب العزة سبحانه وتعالى، فقد قال عليه الصلاة والسلام: 'إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده أن يَرفع إليه يديه فيردّهما صفرا'. كما أن الحياء من أخلاق الأنبياء وأوصافهم المعروفة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى كان رجلا حييا ستيراً، لا يُرى من جلده شيء استحياء منه.
ووُصِف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأنه أشدّ حياء من العذراء في خدرها، ثم إن الحياء شُعبة من شُعَب الإيمان، كما في الصحيحين، وورد أن 'الحياء كله خير' و أن ' الحياء لا يأتي إلا بخير' الخ، فلا ينبغي نفيه من الدين مع أنه كله خير!!
4- وبناء على ما سبق أخي الكريم فإنْ الأولى في تحقيق المقصود أنْ يُستبدل اللفظ المذكور بلفظ آخر شرعي، ومثال لذلك ما رواه البخاري ومسلم من قصة أم سلمة رضي الله عنها حين أرادت أن تسأل رسول الله عن احتلام المرأة فقالت : يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت ؟
قال: إذا رأت الماء. فَغَطّتْ أم سلمة – أي غطت وجهها حياء - وقالت : يا رسول الله! وتحتلِم المرأة ؟!
قال: نعم. ترِبت يمينك. فبِمَ يشبهها ولدها؟
وأما عن سؤالك أخي الكريم عن ضوابط التمتع الجنسي بين الزوجين فإن الإسلام بفضل الله تعالى قد بيّن لكل مسلم ومسلمة ما عليهما اجتنابه من المحرّمات وما يجوز لهما من المباحات، والزواج أخي الكريم شُرع لبلوغ مقاصد معينة ولتحقيق العديد من الأهداف والغايات التي بناءً عليها شُرع التمتع بين الزوجين بناء على عقد شرعي صحيح يستمتعان فيه بأمان واطمئنان ويكوِّنان معاً بيتاً يلجأ إليه كل منهما وذريتهما ليرتاح من عناء الحياة ومشقتها ومما يكابده فيها، ولأجل هذا كان الزواج حياة أخرى يخرج فيها المرء من كبت الأعمال الشاقة والمعاملات الجافة ليجد فيه طيب العيش ولذة التواصل مع نصفه الآخر (الزوج) ..
ولذا فقد أباح الإسلام كل ما يحقق للزوجين ما يصبوان إليه من متعة تغنيهما عن النظر الحرام والفعل الحرام وتزيد من رابطتهما وتنمي الشعور بالرحمة والمودة بينهما ..
وإن موضوع العلاقة الجنسية بين الزوجين ذو خطر وشأن كبير، ولذا وجب فيه الوعي والحكمة لئلا يحدث اضطرابا أو تعاسة في الحياة الزوجية، فالإسلام بقدر ما ينهى ويبعد المسلمين عن الهبوط إلى القذارة الجنسية التي يمارسها بعض الخارجين عن الفطرة المنحطين عن رتبة الحيوانات في ذلك، فإنه في الوقت نفسه يعترف اعترافا صريحا بالدافع الفطري ويمنحه المكانة المناسبة في الحياة الزوجية، كما قرر بعد الزواج حقّ كل من الزوجين في الاستجابة لهذا الدافع، ورغب في العمل الجنسي إلى حد اعتباره عبادة وقربة إلى الله تعالى، حيث جاء في الحديث الصحيح: 'وفي بضع أحدكم (أي فرجه) صدقة.
قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم. أليس إذا وضعها في حرام كان عليه وزر. كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر، أتحتسبون الشر ولا تحتسبون الخير؟'. رواه مسلم.
فتجنيب النفس والأهل الوقوع في الحرام هو من مقاصد الزواج، ولذا وجب أن يكون في الزواج ما يحقق ذلك ويشبع غريزة كل من الزوجين وإلا فإنه الاضطراب والاختلال في تلك العلاقة برمتها. بل قد لفت الإسلام أنظار أتباعه إلى ضرورة ألا يكون كل هم الزوج هو قضاء وطره هو دون أي اهتمام بأحاسيس امرأته ورغبتها.
فقد ورد ما يحث على تلك المراعاة وجعل هذا من حقوق الزوجة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام : (ولأهلك - امرأتك - عليك حقا) .
وورد أيضا الترغيب في التمهيد للاتصال الجنسي بما يشوق إليه من المداعبة والمقدمات املناسبة له، حتى لا يكون مجرد لقاء حيواني محض.
ولم يجد أئمة الإسلام وفقهاؤه العظام بأسا في التنبيه على هذه الأمور وكتب الفقه مليئة بهذا الذي قد يغفل عنها بعض الأزواج.
فالإمام الغزالي عليه رحمة الله وهو الإمام في الفقه وفي التصوف والأخلاق، نجده يبين في كتابه القيم إحياء علوم الدين الذي كتبه لتعليم الناس طريق الورع والتقوى، ولتعريفهم بآداب السلوك إلى جنان الرحيم الرحمن نجده يضع آداب الجماع ضمن ذلك الكتاب، ويقول فيه: يُستحب أن يبدأ باسم الله تعالى. قال عليه الصلاة والسلام: 'لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإن كان بينهما ولد، لم يضره الشيطان'. ثم قال: وليغطِ نفسَه وأهله بثوب … وليقدم التلطف بالكلام والتقبيل. قال صلى الله عليه وسلم: 'لا يقعن أحدكم على امرأته، كما تقع البهيمة، وليكن بينهما رسول. قيل: وما الرسول يا رسول الله؟ قال: القبلة والكلام'. وقال: 'ثلاث من العجز في الرجل .. وذكر منها أن يقارب الرجل زوجته فيصيبها ( أي يجامعها) قبل أن يحدثها ويؤانسها ويضاجعها فيقضي حاجته منها، قبل أن تقضي حاجتها منه' ... ثم إذا قضى وطره فليتمهل على أهله حتى تقضي هي أيضا نهمتها، فإن إنزالها ربما يتأخر، فيهيج شهوتها، ثم القعود عنها إيذاء لها.
والاختلاف في طبع الإنزال يوجب التنافر مهما كان الزوج سابقا إلى الإنزال، والتوافق في وقت الإنزال ألذ عندها ولا يشتغل الرجل بنفسه عنها، فإنها ربما تستحي).
ولعلمك أخي الكريم إن من أهم ما ينبغي للمسلم معرفته من دين الله هو ذلك القدر الذي يخرجه من غياهب الجهل ويجعله على دراية وإدراك لحكمة ما يفعل فضلا عما ينبغي أن يفعل، ولذا فإن من الجدير هنا التذكير بمقاصد الزواج وأهدافه ليدرك كل زوجين ما ينبغي أن يكونا عليه.
يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه 'زاد المعاد في هدي خير العباد' عند الحديث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجماع: 'أما الجماع والباءة فكان هديه فيه أكمل هدى، يحفظ به الصحة، ويتم به اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها.
فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور، هي مقاصده الأصلية:
1- حفظ النسل، ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم.
2- إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن.
3- قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة. وهذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة.
ثم قال معددا منافع الجماع واللقاء الزوجي: ومن منافعه: غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه، في دنياه وأخراه، وينفع المرأة. ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يتعاهده ويحبه، ويقول: حبب إليَّ من دنياكم النساء والطيب ..
أما من فعله عليه الصلاة والسلام فقد ورد 'أنه كان يقبل عائشة ويمص لسانها' ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: 'نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقعة قبل المداعبة'.
وهناك الكثير من الآثار والروايات التي يطول ذكرها والتي حدت بفقهاء الإسلام إلى أن يقرروا أن لكل من الزوجين أن يستمتع بالآخر بما يشاء، ولم يحرم عليه إلا ما ورد فيه نهي خاص لكونه يتضمن ضرراً أو مفسدة فحرم لما يؤدي إليه، ومن ذلك تحريم الإيلاج في الدبر، والجماع في الحيض والنفاس، وفي وقت الإحرام بالحج أو العمرة، وما عدا ذلك فله أن يستمتع بزوجته بما يشاء كالتقبيل والمس والنظر وغير ذلك، بشرط ألا يكون فيه إضرار بهما أو بأحدهما أو بذريتهما، ولذلك حرم جمهور العلماء الإنزال في الفم ونحوه لما يؤدي إليه من الضرر بالصحة، أما ما عدا ذلك مما لا يتضمن ضررا فلا حرج فيه إطلاقاً.
وإليك مثالا من أقوال الفقهاء المتقدمين ينقله الشيخ ابن عابدين الحنفي حيث يقول: سأل أبو يوسف أبا حنيفة عن الرجل يمس فرج امرأته وهي تمس فرجه ليتحرك عليها هل ترى بذلك بأسا ؟
قال : لا، وأرجو أن يعظم الأجر.
بل حتى في حال الحيض قد ثبت بأن المنع يتعلق بمجامعة الحائض في الفرج فقط وإباحة ما عداه من جسدها، ولاشك أن ذلك أوضح دلالة على إباحة التمتع بكل الجسد في غير الحائض.
واعلم أخي السائل أن كل ما حرمه الشرع من أنواع المباشرة سواء أكان في زمن الحيض أو الإيلاج في الدبر كل ذلك ثابت بالطب ضرره فضلا عن منافرته للطباعة السليمة والفطر المستقيمة، على غرار ما يحدث في الغرب مما تروج له أداة الإعلام الرهيبة عبر الوسائل المختلفة وكلها تقريبا تنشر أنواعاً من الشذوذ والانحراف تقتلع الفطرة من النفوس اقتلاعا وتجسد البهيمية في أبشع صورها، مما تبرأ الحيوانات البهائم نفسها منه والعياذ بالله، فلا شك في تحريم تلك الممارسات التي لا ضوابط لها ولا نظام، مما يؤدي إلى الأضرار الصحية والنفسية بالرجل أو بالمرأة، فالحمد لله على إفضاله وإكرامه بنعمة الإسلام والإيمان.
والله تعالى أعلم.....
المفتي: د. فتحي خليفة
السؤال :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: من قوله تعالي ( لا حياة في الدين) أريد أن أسأل : هل يجوز للزوجين الاستمتاع بجسديهما أثناء عملية الجماع هنا اقصد علق أعضاء الجسم الحساسة وكذلك تقبيلها؟ وهل يوجد دليل أو دليل من القرآن والسنة يجيز أو يحرم فعل دلك ؟ لكم منا جزيل الشكر والعرفان وبارك الله فيكم وجزاكم الله كل خير وإحسان. والسلام عليكم
الجواب :
أولا أخي الكريم أود تنبيهك والأخوة القراء إلى مسألة هامة تتعلق بعبارة 'لا حياء في الدين' التي وردت في سؤالك الكريم .. فبداية العبارة وردت بالتاء المربوطة وهذا فيما يبدو مجرد خطأ كتابي، ويظهر أنك تقصد العبارة المشهورة على ألسنة الناس وفي كلام العامة 'لا حياء في الدين' .. وهذه العبارة المتداولة بين الناس فيها بعض المغالطات أجملها فيما يلي:
1- بداية هي ليست آية ولا حديثا نبوياً، فليست نصا شرعياً يعتمد عليه ويتبرك بذكره.
2- ثم إن المقصود بها وهو أنه لا ينبغي للمرء الحياء من السؤال في الدين وتعلم ما يهمه من أمر دينه مهما صاحبه من شعور بالخجل ونحوه، إذ أمر التعلم وطلب الفهم أولى من ذلك بكثير وأهم.
3- أن الإشكال في هذه العبارة - رغم ظهور المعنى الطيب الذي يُقصد من ورائها - أنها قد تُفهم فهما بعيدا عن الإسلام ومناقضا لمبدأ من مبادئ ديننا الحنيف ألا وهو الحياء، إذ الواقع أن الحياء مِن أسس الدين وأحد دعائمه !!..
فالحياء صِفة من صفات رب العزة سبحانه وتعالى، فقد قال عليه الصلاة والسلام: 'إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده أن يَرفع إليه يديه فيردّهما صفرا'. كما أن الحياء من أخلاق الأنبياء وأوصافهم المعروفة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى كان رجلا حييا ستيراً، لا يُرى من جلده شيء استحياء منه.
ووُصِف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأنه أشدّ حياء من العذراء في خدرها، ثم إن الحياء شُعبة من شُعَب الإيمان، كما في الصحيحين، وورد أن 'الحياء كله خير' و أن ' الحياء لا يأتي إلا بخير' الخ، فلا ينبغي نفيه من الدين مع أنه كله خير!!
4- وبناء على ما سبق أخي الكريم فإنْ الأولى في تحقيق المقصود أنْ يُستبدل اللفظ المذكور بلفظ آخر شرعي، ومثال لذلك ما رواه البخاري ومسلم من قصة أم سلمة رضي الله عنها حين أرادت أن تسأل رسول الله عن احتلام المرأة فقالت : يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت ؟
قال: إذا رأت الماء. فَغَطّتْ أم سلمة – أي غطت وجهها حياء - وقالت : يا رسول الله! وتحتلِم المرأة ؟!
قال: نعم. ترِبت يمينك. فبِمَ يشبهها ولدها؟
وأما عن سؤالك أخي الكريم عن ضوابط التمتع الجنسي بين الزوجين فإن الإسلام بفضل الله تعالى قد بيّن لكل مسلم ومسلمة ما عليهما اجتنابه من المحرّمات وما يجوز لهما من المباحات، والزواج أخي الكريم شُرع لبلوغ مقاصد معينة ولتحقيق العديد من الأهداف والغايات التي بناءً عليها شُرع التمتع بين الزوجين بناء على عقد شرعي صحيح يستمتعان فيه بأمان واطمئنان ويكوِّنان معاً بيتاً يلجأ إليه كل منهما وذريتهما ليرتاح من عناء الحياة ومشقتها ومما يكابده فيها، ولأجل هذا كان الزواج حياة أخرى يخرج فيها المرء من كبت الأعمال الشاقة والمعاملات الجافة ليجد فيه طيب العيش ولذة التواصل مع نصفه الآخر (الزوج) ..
ولذا فقد أباح الإسلام كل ما يحقق للزوجين ما يصبوان إليه من متعة تغنيهما عن النظر الحرام والفعل الحرام وتزيد من رابطتهما وتنمي الشعور بالرحمة والمودة بينهما ..
وإن موضوع العلاقة الجنسية بين الزوجين ذو خطر وشأن كبير، ولذا وجب فيه الوعي والحكمة لئلا يحدث اضطرابا أو تعاسة في الحياة الزوجية، فالإسلام بقدر ما ينهى ويبعد المسلمين عن الهبوط إلى القذارة الجنسية التي يمارسها بعض الخارجين عن الفطرة المنحطين عن رتبة الحيوانات في ذلك، فإنه في الوقت نفسه يعترف اعترافا صريحا بالدافع الفطري ويمنحه المكانة المناسبة في الحياة الزوجية، كما قرر بعد الزواج حقّ كل من الزوجين في الاستجابة لهذا الدافع، ورغب في العمل الجنسي إلى حد اعتباره عبادة وقربة إلى الله تعالى، حيث جاء في الحديث الصحيح: 'وفي بضع أحدكم (أي فرجه) صدقة.
قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم. أليس إذا وضعها في حرام كان عليه وزر. كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر، أتحتسبون الشر ولا تحتسبون الخير؟'. رواه مسلم.
فتجنيب النفس والأهل الوقوع في الحرام هو من مقاصد الزواج، ولذا وجب أن يكون في الزواج ما يحقق ذلك ويشبع غريزة كل من الزوجين وإلا فإنه الاضطراب والاختلال في تلك العلاقة برمتها. بل قد لفت الإسلام أنظار أتباعه إلى ضرورة ألا يكون كل هم الزوج هو قضاء وطره هو دون أي اهتمام بأحاسيس امرأته ورغبتها.
فقد ورد ما يحث على تلك المراعاة وجعل هذا من حقوق الزوجة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام : (ولأهلك - امرأتك - عليك حقا) .
وورد أيضا الترغيب في التمهيد للاتصال الجنسي بما يشوق إليه من المداعبة والمقدمات املناسبة له، حتى لا يكون مجرد لقاء حيواني محض.
ولم يجد أئمة الإسلام وفقهاؤه العظام بأسا في التنبيه على هذه الأمور وكتب الفقه مليئة بهذا الذي قد يغفل عنها بعض الأزواج.
فالإمام الغزالي عليه رحمة الله وهو الإمام في الفقه وفي التصوف والأخلاق، نجده يبين في كتابه القيم إحياء علوم الدين الذي كتبه لتعليم الناس طريق الورع والتقوى، ولتعريفهم بآداب السلوك إلى جنان الرحيم الرحمن نجده يضع آداب الجماع ضمن ذلك الكتاب، ويقول فيه: يُستحب أن يبدأ باسم الله تعالى. قال عليه الصلاة والسلام: 'لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإن كان بينهما ولد، لم يضره الشيطان'. ثم قال: وليغطِ نفسَه وأهله بثوب … وليقدم التلطف بالكلام والتقبيل. قال صلى الله عليه وسلم: 'لا يقعن أحدكم على امرأته، كما تقع البهيمة، وليكن بينهما رسول. قيل: وما الرسول يا رسول الله؟ قال: القبلة والكلام'. وقال: 'ثلاث من العجز في الرجل .. وذكر منها أن يقارب الرجل زوجته فيصيبها ( أي يجامعها) قبل أن يحدثها ويؤانسها ويضاجعها فيقضي حاجته منها، قبل أن تقضي حاجتها منه' ... ثم إذا قضى وطره فليتمهل على أهله حتى تقضي هي أيضا نهمتها، فإن إنزالها ربما يتأخر، فيهيج شهوتها، ثم القعود عنها إيذاء لها.
والاختلاف في طبع الإنزال يوجب التنافر مهما كان الزوج سابقا إلى الإنزال، والتوافق في وقت الإنزال ألذ عندها ولا يشتغل الرجل بنفسه عنها، فإنها ربما تستحي).
ولعلمك أخي الكريم إن من أهم ما ينبغي للمسلم معرفته من دين الله هو ذلك القدر الذي يخرجه من غياهب الجهل ويجعله على دراية وإدراك لحكمة ما يفعل فضلا عما ينبغي أن يفعل، ولذا فإن من الجدير هنا التذكير بمقاصد الزواج وأهدافه ليدرك كل زوجين ما ينبغي أن يكونا عليه.
يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه 'زاد المعاد في هدي خير العباد' عند الحديث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجماع: 'أما الجماع والباءة فكان هديه فيه أكمل هدى، يحفظ به الصحة، ويتم به اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها.
فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور، هي مقاصده الأصلية:
1- حفظ النسل، ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم.
2- إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن.
3- قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة. وهذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة.
ثم قال معددا منافع الجماع واللقاء الزوجي: ومن منافعه: غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه، في دنياه وأخراه، وينفع المرأة. ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يتعاهده ويحبه، ويقول: حبب إليَّ من دنياكم النساء والطيب ..
أما من فعله عليه الصلاة والسلام فقد ورد 'أنه كان يقبل عائشة ويمص لسانها' ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: 'نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقعة قبل المداعبة'.
وهناك الكثير من الآثار والروايات التي يطول ذكرها والتي حدت بفقهاء الإسلام إلى أن يقرروا أن لكل من الزوجين أن يستمتع بالآخر بما يشاء، ولم يحرم عليه إلا ما ورد فيه نهي خاص لكونه يتضمن ضرراً أو مفسدة فحرم لما يؤدي إليه، ومن ذلك تحريم الإيلاج في الدبر، والجماع في الحيض والنفاس، وفي وقت الإحرام بالحج أو العمرة، وما عدا ذلك فله أن يستمتع بزوجته بما يشاء كالتقبيل والمس والنظر وغير ذلك، بشرط ألا يكون فيه إضرار بهما أو بأحدهما أو بذريتهما، ولذلك حرم جمهور العلماء الإنزال في الفم ونحوه لما يؤدي إليه من الضرر بالصحة، أما ما عدا ذلك مما لا يتضمن ضررا فلا حرج فيه إطلاقاً.
وإليك مثالا من أقوال الفقهاء المتقدمين ينقله الشيخ ابن عابدين الحنفي حيث يقول: سأل أبو يوسف أبا حنيفة عن الرجل يمس فرج امرأته وهي تمس فرجه ليتحرك عليها هل ترى بذلك بأسا ؟
قال : لا، وأرجو أن يعظم الأجر.
بل حتى في حال الحيض قد ثبت بأن المنع يتعلق بمجامعة الحائض في الفرج فقط وإباحة ما عداه من جسدها، ولاشك أن ذلك أوضح دلالة على إباحة التمتع بكل الجسد في غير الحائض.
واعلم أخي السائل أن كل ما حرمه الشرع من أنواع المباشرة سواء أكان في زمن الحيض أو الإيلاج في الدبر كل ذلك ثابت بالطب ضرره فضلا عن منافرته للطباعة السليمة والفطر المستقيمة، على غرار ما يحدث في الغرب مما تروج له أداة الإعلام الرهيبة عبر الوسائل المختلفة وكلها تقريبا تنشر أنواعاً من الشذوذ والانحراف تقتلع الفطرة من النفوس اقتلاعا وتجسد البهيمية في أبشع صورها، مما تبرأ الحيوانات البهائم نفسها منه والعياذ بالله، فلا شك في تحريم تلك الممارسات التي لا ضوابط لها ولا نظام، مما يؤدي إلى الأضرار الصحية والنفسية بالرجل أو بالمرأة، فالحمد لله على إفضاله وإكرامه بنعمة الإسلام والإيمان.
والله تعالى أعلم.....
المفتي: د. فتحي خليفة