في الصفاء غور ممتع في أعماق النفس البشرية بسوائها واضطرابها بصحتها ومرضها بأحزانها وأفراحها بتشاؤمها وتفاؤلها بإحباطاتها وتوافقاتها. رحلة … تبدأ ما قبل تكوين الجنين ، مرحلة خاصة في الحمل والولادة ، صفاء في الرضاعة ، اكتشاف وإحساس بالمعنى في الطفولة ، مفترق طرق في المراهقة ، استقرار واكتمال في الرشد … وصولاً إلى عالم المسنين قدوتنا في الحياة والدين.... أملاً في تحقيق نفس صافية مطمئنة تتفاعل فيها أسس ثـــــلاث الصدق مع الله عز وجل – الصدق مع الآخر – الصدق مع النفس  فاقبل على صفاء النفس وانهــل وابعث بأحلامك الليلية واستفســر  وفضفض " قليبك المليان " واستبشر

أخر تحديث الاثنين 30-04-2007

 

 

التعويض النفسي في شعر بشار بن برد

 

إعـــداد :

الأستاذة / صفـــاء فنيخرة

 

أولاً : مفهوم التعويض

        العوض في اللغة البدل والخلف ، والجمع أعواض ، والعَوْض مصدر عاضه عوْضاً وعياض ومَعُوضَة . أما اللفظ المستعمل فهو التعويض أما في الاصطلاح النفسي فالتعويض Compensation  بأن يلجأ الفرد الطبيعي إلى حل أزماته النفسية بطرق عقلانية سليمة ، تلائم قوانين الجماعة التي يعيش فيها ، وذلك للتخلص من القلق والشعور بالاتزان والأمان والأهمية الذاتية ، أما أن عجز عن هذه الحلول فإنه يلجأ إلى طرق أخرى ملتوية أو غير مباشرة ، ولكنها لا شعورية تعرف بالحيل الدفاعية ، أو وسائل الدفاع النفسي ، أو خافضات القلق " لأنها تدفع عن الأنا Ego غائلة التوتر والقلق ، وتقيه مشاعر العجز والفشل والخوف والرثاء للذات ، واستصغارها وهي حيل تعمل بصورة آلية لا شعورية غير مقصودة ، كما أنها لا تستهدف حل الأزمة بقدر ما ترمي إلى الخلاص من التوتر والقلق ، وتزويد الأنا بشيء من الراحة الوقتية حتى لا يختل توازنه "(2) ويحدث نوعاً من التوافق النفسي مع الذات والآخرين ، والملائمة مع مصدر الإحساس بالنقص ، ويعرف التعويض بأنه " الاستعاضة عن نوع من السلوك يصعب على الفرد القيام به بنوع آخر من السلوك ، من شأن هذا السلوك الأخير أن يغطي نواحي النقص في الجوانب الأخرى من شخصية الفرد "(3) . أما السبب الذي يجعل الفرد – لا شعورياً – يلجأ للتعويض هو ذلك التوتر والقلق الذي يجتاح نفسه من جراء " النقص " الذي يشكل عقدة نفسية لديه ، فالشعور بالنقص ، كما يؤكد علماء النفس " حالة نفسية يدركها الفرد إدراكاً مباشراً ، ويعترف بها وهو ينشأ من نقص جسمي أو عقلي ، أو اجتماعي .. وهو شعور غير شاذ "(4) . به إنه يساعد صاحبه على التعويض الإيجابي ، ومنافسة الآخرين لإكمال نقصهم ، وإلا فإنهم يلجأون إلى الرضا بالواقع .

        أما " عقدة النقص " فهي تجعله يعلو على الاعتراف بنقصه ، كما يسوقه إلى أنواع مغرية ومتطرفة من السلوك لا يفهم دلالتها ولا ندرك الصلة بينها وبين شعوره الدفين بالنقص : الزهو الشديد والإسراف في تقدير الذات ، والتظاهر بالشجاعة ، أو تكلف الوقار ، أو ميل شديد إلى السيطرة والعدوان والاستعلاء والغرور ، وغير ذلك من مظاهر التعويض المسرف ، وهكذا فإن التعويض بمختلف صوره يساعد على إشباع الذات والتغلب - ولو نسبياً - على عقدة النقص .

        وللتعويض صور منها إيجابية وذلك إذا كان الفرد يعاني من مجرد الشعور بالنقص في مجال ما ، فالشخص ضعيف الثقة بنفسه في مجال دراسي معين فشل فيه ، قد يدفعه ذلك إلى التميز في مجال آخر ، وكثير من ذوي العاهات الجسمية يبرزون مواهب خلاقة في المجالات التي لم يرحموا من مزاولتها ، كمجالات الكتابة والتأليف ، وقد يتألقون في المجال نفسه الذي تتجلى فيه إعاقتهم فيبذون في ذلك ذوي القدرات " وتاريخ الرياضيات والآداب والفنون ملئ بأسماء ومشاهير في مجالات كان الظن أنهم بعيدون كل البعد عن إمكانية النجاح فيها نظراً لقصور أو عاهات أو أمراض حلّت بهم في طفولتهم ، ولكنهم بالجهد والمعاناة والتدريب تغلبوا عليها "(1) ، وقد يلجأ الشخص إلى التخلص من مشاعر النقص بالانخراط في سلوكيات انحرافية ليجذب اهتمام الآخرين وإثبات ذاته دون مراعاة صورتها في أعينهم .

        ويبرز التعويض في " الأدب " باعتبار  منتجاً إنسانياً يحمل ما تجيش به النفس من أسرار غامضة تكسبه روعة السر وفتنة المجهول ، فالشعر أو " النص الشعري وليد النفس الإنسانية ولذلك كثيراً ما يكشف من ظلال شخصية المبدع ، وأقول " ظلال " لأنه من ا لصعوبة بمكان العثور على حقيقته الجلية من خلال دراسة النص فقط ، فالمبدع – كما يرى عالم النفس – لديه صبوة للتحرر من شخصيته الحقيقية في إطار النص ، فإذا هو يخرج من جلده ليندس في جلد غيره ، وقد يكون الغير هنا من إبداعه ...

        إن الشعر وسيلة من وسائل التعويض عن شقاء النفس ، فهو ابن الحساسية المفرطة ، والحرمان الحاد ، وإن لذة الكتابة هي الدواء الذي يخفف من وطأة الألم ، وتعتبر نفسيات الأفراد ذات صلة عميقة بالفن عموماً من وجهة نظر المدارس النفسية الحديثة ، وخاصة " المدرسة الفرويدية " التي تعني بتحليل الأفراد ، فالأدب من هذه الوجهة نوع من التعويض النفسي الإيجابي ، إنه حلم يتسامى فيه الفنان على ما بداخله من توتر ، وكأنه يجد فيه ما يخلصه من مشكلات واقعة ، ويرى أدلر تلميذ فرويد أنه لدى الفنان شعور بالدناءة ، وهو يشير بذلك ( إلى مركب النقص ) وبعد الإبداع والفن تمرة لهذا المركب .. وكأنَّ آثار الفنان ردّ فعل لشعوره العميق بالنقص ، وهو لذلك يجمع كل قواه الفنية لمواجهته ، ومحاولة الانتصار على تنين النقص الرابض في قلبه وحياته ، وبمقدار قوته ، وقوة الهجوم الذي يوجهه إليه تنزل الآثار الفنية منازلها في الإبداع والروعة ، وسواء أكن هذا النقص مادياً يتصل بعامة أو مرض ، أو معنوياً يتصل بحياة الفنان أو أسرته ، فبمقدار قوة الشعور بهذا النقص يكون تفوقه وإبداعه .

        وقد حاول قيس بن الملوح في أدبنا العربي القديم الاستعاضة عن حرمانه من ليلى من خلال فنه وذلك بوصف جمال الطبيعة ، وبخاصة جمال الظباء في شعره ، وقد أدرك ذلك بفطرته حين قال :

فما أشرف الأيفاع إلا صبابة
 

\

ولا أنشد الأشعار إلا تداويا

 

وفي قوله :

رأيت غزالا يرتعى وسط روضة
 

\

فقلت : أرى ليلى تراءت لنا ظهرا
 

فيا ظبي كل رغداً هنيئاً ولا تخف
 

\

فإنك لي جار ، ولا نرهب الدهرا
 

وعندي لكم حصن حصين وصارم
 

\

حسام إذا أعملته أحسن الهبرا

فما راعني إلا وذئب قد انتحى
 

\

فأغلق في أحشائه الناب والظفرا
 

ففوقت سهي في كتوم غمزتها
 

\

فخالط سهمي مهجة الذئب والنحرا
 

فأذهب غيظي قتله وشفى جوي
 

\

بقلبي ، إن الحر قد يدرك الوترا
 

 

        فالشاعر رسم صورة تحمل قدراً من الرمز فالغزال هو ليلى في الحقيقة والذئب هو زوجها الذي أخذها منه ، وغريمه الذي افترس أعز أمانيه فحقق الشاعر – على مستوى الكلمة – الراحة والتعويض النفسي بقتله الذئب ويؤيد هذا أنه بعد قتله الذئب بسهمه بقر بطنه وأحرق أشلائه تشفياً منه ، ففي هذا الشعر تمثيل لعواطف قيس الذاتية وتسامٍ بها وتصوير في موقفه منهما ليعبر به عما عجز عن تحقيقه في الواقع ، ولابد في هذا التسامي النفسي من أن يكون الشاعر قد عانى التجربة التي تشف عن مكنون نفسه .

 

 

 

 الصفحة الرئيسية

موقع الصفاء للصحة النفسية أشراف الدكتور صالح المهدي الحويج تصميم net218
الرئيسية ---- داخل الصفاء ---- مقالات وأبحاث ---- محاضرات أكاديمية ---- ترجمات ---- ملخصات بحثية ---- أتصل بنا ---- أقلام صحفية ---- نفحات دينية----صفحات أدبية ---- حوارات ---- تفسير الأحلام ---- استشارات نفسية ---- سجل الزوار