التعويض النفسي في شعر بشار بن برد
إعـــداد :
الأستاذة /
صفـــاء فنيخرة
أولاً : مفهوم التعويض
العوض في اللغة البدل والخلف ، والجمع أعواض ، والعَوْض مصدر عاضه
عوْضاً وعياض ومَعُوضَة . أما اللفظ المستعمل فهو التعويض أما في
الاصطلاح النفسي فالتعويض Compensation
بأن يلجأ الفرد الطبيعي إلى حل أزماته النفسية بطرق عقلانية سليمة ،
تلائم قوانين الجماعة التي يعيش فيها ، وذلك للتخلص من القلق والشعور
بالاتزان والأمان والأهمية الذاتية ، أما أن عجز عن هذه الحلول فإنه
يلجأ إلى طرق أخرى ملتوية أو غير مباشرة ، ولكنها لا شعورية تعرف
بالحيل الدفاعية ، أو وسائل الدفاع النفسي ، أو خافضات القلق " لأنها
تدفع عن الأنا Ego
غائلة التوتر والقلق ، وتقيه مشاعر العجز والفشل والخوف والرثاء للذات
، واستصغارها وهي حيل تعمل بصورة آلية لا شعورية غير مقصودة ، كما أنها
لا تستهدف حل الأزمة بقدر ما ترمي إلى الخلاص من التوتر والقلق ،
وتزويد الأنا بشيء من الراحة الوقتية حتى لا يختل توازنه "(2)
ويحدث نوعاً من التوافق النفسي مع الذات والآخرين ، والملائمة مع مصدر
الإحساس بالنقص ، ويعرف التعويض بأنه " الاستعاضة عن نوع من السلوك
يصعب على الفرد القيام به بنوع آخر من السلوك ، من شأن هذا السلوك
الأخير أن يغطي نواحي النقص في الجوانب الأخرى من شخصية الفرد "(3)
. أما السبب الذي يجعل الفرد – لا شعورياً – يلجأ للتعويض هو ذلك
التوتر والقلق الذي يجتاح نفسه من جراء " النقص " الذي يشكل عقدة نفسية
لديه ، فالشعور بالنقص ، كما يؤكد علماء النفس " حالة نفسية يدركها
الفرد إدراكاً مباشراً ، ويعترف بها وهو ينشأ من نقص جسمي أو عقلي ، أو
اجتماعي .. وهو شعور غير شاذ "(4) . به إنه يساعد صاحبه على
التعويض الإيجابي ، ومنافسة الآخرين لإكمال نقصهم ، وإلا فإنهم يلجأون
إلى الرضا بالواقع .
أما " عقدة النقص " فهي تجعله يعلو على الاعتراف بنقصه ، كما يسوقه إلى
أنواع مغرية ومتطرفة من السلوك لا يفهم دلالتها ولا ندرك الصلة بينها
وبين شعوره الدفين بالنقص : الزهو الشديد والإسراف في تقدير الذات ،
والتظاهر بالشجاعة ، أو تكلف الوقار ، أو ميل شديد إلى السيطرة
والعدوان والاستعلاء والغرور ، وغير ذلك من مظاهر التعويض المسرف ،
وهكذا فإن التعويض بمختلف صوره يساعد على إشباع الذات والتغلب - ولو
نسبياً - على عقدة النقص .
وللتعويض صور منها إيجابية وذلك إذا كان الفرد يعاني من مجرد الشعور
بالنقص في مجال ما ، فالشخص ضعيف الثقة بنفسه في مجال دراسي معين فشل
فيه ، قد يدفعه ذلك إلى التميز في مجال آخر ، وكثير من ذوي العاهات
الجسمية يبرزون مواهب خلاقة في المجالات التي لم يرحموا من مزاولتها ،
كمجالات الكتابة والتأليف ، وقد يتألقون في المجال نفسه الذي تتجلى فيه
إعاقتهم فيبذون في ذلك ذوي القدرات " وتاريخ الرياضيات والآداب والفنون
ملئ بأسماء ومشاهير في مجالات كان الظن أنهم بعيدون كل البعد عن
إمكانية النجاح فيها نظراً لقصور أو عاهات أو أمراض حلّت بهم في
طفولتهم ، ولكنهم بالجهد والمعاناة والتدريب تغلبوا عليها "(1)
، وقد يلجأ الشخص إلى التخلص من مشاعر النقص بالانخراط في سلوكيات
انحرافية ليجذب اهتمام الآخرين وإثبات ذاته دون مراعاة صورتها في
أعينهم .
ويبرز التعويض في " الأدب " باعتبار منتجاً إنسانياً يحمل ما تجيش به
النفس من أسرار غامضة تكسبه روعة السر وفتنة المجهول ، فالشعر أو "
النص الشعري وليد النفس الإنسانية ولذلك كثيراً ما يكشف من ظلال شخصية
المبدع ، وأقول " ظلال " لأنه من ا لصعوبة بمكان العثور على حقيقته
الجلية من خلال دراسة النص فقط ، فالمبدع – كما يرى عالم النفس – لديه
صبوة للتحرر من شخصيته الحقيقية في إطار النص ، فإذا هو يخرج من جلده
ليندس في جلد غيره ، وقد يكون الغير هنا من إبداعه ...
إن
الشعر وسيلة من وسائل التعويض عن شقاء النفس ، فهو ابن الحساسية
المفرطة ، والحرمان الحاد ، وإن لذة الكتابة هي الدواء الذي يخفف من
وطأة الألم ، وتعتبر نفسيات الأفراد ذات صلة عميقة بالفن عموماً من
وجهة نظر المدارس النفسية الحديثة ، وخاصة " المدرسة الفرويدية " التي
تعني بتحليل الأفراد ، فالأدب من هذه الوجهة نوع من التعويض النفسي
الإيجابي ، إنه حلم يتسامى فيه الفنان على ما بداخله من توتر ، وكأنه
يجد فيه ما يخلصه من مشكلات واقعة ، ويرى أدلر تلميذ فرويد أنه لدى
الفنان شعور بالدناءة ، وهو يشير بذلك ( إلى مركب النقص ) وبعد الإبداع
والفن تمرة لهذا المركب .. وكأنَّ آثار الفنان ردّ فعل لشعوره العميق
بالنقص ، وهو لذلك يجمع كل قواه الفنية لمواجهته ، ومحاولة الانتصار
على تنين النقص الرابض في قلبه وحياته ، وبمقدار قوته ، وقوة الهجوم
الذي يوجهه إليه تنزل الآثار الفنية منازلها في الإبداع والروعة ،
وسواء أكن هذا النقص مادياً يتصل بعامة أو مرض ، أو معنوياً يتصل بحياة
الفنان أو أسرته ، فبمقدار قوة الشعور بهذا النقص يكون تفوقه وإبداعه .
وقد حاول قيس بن الملوح في أدبنا العربي القديم الاستعاضة عن حرمانه من
ليلى من خلال فنه وذلك بوصف جمال الطبيعة ، وبخاصة جمال الظباء في شعره
، وقد أدرك ذلك بفطرته حين قال :
|
فما أشرف الأيفاع إلا صبابة
|
\ |
ولا أنشد الأشعار إلا تداويا |
وفي قوله :
|
رأيت غزالا يرتعى وسط روضة
|
\ |
فقلت : أرى ليلى تراءت لنا ظهرا
|
|
فيا ظبي كل رغداً هنيئاً ولا تخف
|
\ |
فإنك لي جار ، ولا نرهب الدهرا
|
|
وعندي لكم حصن حصين وصارم
|
\ |
حسام إذا أعملته أحسن الهبرا |
|
فما راعني إلا وذئب قد انتحى
|
\ |
فأغلق في أحشائه الناب والظفرا
|
|
ففوقت سهي في كتوم غمزتها
|
\ |
فخالط سهمي مهجة الذئب والنحرا
|
|
فأذهب غيظي قتله وشفى جوي
|
\ |
بقلبي ، إن الحر قد يدرك الوترا
|
فالشاعر رسم صورة تحمل قدراً من الرمز فالغزال هو ليلى في الحقيقة
والذئب هو زوجها الذي أخذها منه ، وغريمه الذي افترس أعز أمانيه فحقق
الشاعر – على مستوى الكلمة – الراحة والتعويض النفسي بقتله الذئب ويؤيد
هذا أنه بعد قتله الذئب بسهمه بقر بطنه وأحرق أشلائه تشفياً منه ، ففي
هذا الشعر تمثيل لعواطف قيس الذاتية وتسامٍ بها وتصوير في موقفه منهما
ليعبر به عما عجز عن تحقيقه في الواقع ، ولابد في هذا التسامي النفسي
من أن يكون الشاعر قد عانى التجربة التي تشف عن مكنون نفسه .
|