|
همسة
.. في أذن أم
للأستاذة / كريمة على
ما أن انتبه إلى أنها تسترق النظر إليّ فانظر إليها
مبتسمة سائلة إياه عن حالها بشيء من الود و الاهتمام حتى تتنفس
الصعداء ارتياحاً ، في بعض الأحيان قد تخجل فتتردد في الإجابة ، وترتبك
في الكلام و كثيراً من الأحيان تبدأ الحديث حول موقف يحدث مروراً
لراءيها في بعض الموضوعات العامة ، لتصل بعد تكرار اللقاءات بينها و
بيني إلى أمورها الخاصة التي لا تتضح معالم وجهة نظرها حولها فتارة
تكلمني عنها بشي من اللامبالاة فتظهر عدم الأهمية لما تتحدث عنه حتى
أني أضنها تسرد لي ما يخص شخص غيرها ، تارة أخرى تخبرني بمزاح لا مبرر
له و قد يصل حد السخرية المفرط فيها ، و في كلتا الحلتين تحاول أن
توصلني إلى معناً ما دون أن أكتشف هذا القصد فيها .
طريقة أخرى قد تتبعها لترسم لي صورة واقعها الذي تعيشه
، و فيها لا تخفي ملامح الضيق و الحزن قد يصل حد البكاء إما في لقاء
قصير معي أو عبر كلمات و عبارات متراصة على صفحة ورقة ترسلها إليّ ،
متضحة فيها الحاجة المخفية و المعلنة لمن ينصت لها بإهتمام و يسمعها ،
لمن يعاملها و يتعامل معها وهي ذات متكاملة لها القدرة على الإدراك و
التفكير ، و القول و الفعل ، الحاجة لمن تكشف أوراقها أمامه دون خوفٍ
، مَنْ يؤنسها يثق بها لتثق به وتطمئن إليه ..
كل ذلك يواجهني كما يواجه مثيلاتي اللاتي يعملن بمجالات
تحتك فيها مباشرة بالفتاه دون الثانية عشرة بقليل فما فوق ..
إنه الفراغ العاطفي الذي تحياه هذه الشريحة من فتياتنا
فيجعلهن مندفعات عند أول اهتمام بهن و تعامل معهن سوى كان هذا
الاهتمام من معلمة تدرسهن أو من يمكن لها في نظرها أن تحل عاطفياً و
توجيهياً محل الأم التي براغم المراحل المتقدمة من التعليم و توفر سبل
الاطلاع و قنوات التوعية ، إلا أنها لازالت غير قادرة على توفير الرفقة
الصديقة و المتفهمة لابنتها التي تنشاء و تتشكل و تكبر أمام عينيها و
بين يديها و هي تفتقد العطف و الحنان و مساحات الاهتمام الخاص بها دون
مشاركة من أحد آخر ، و لا تجاهل أقرب الناس إليها أمها .
الأم التي قد تتبع الأسلوب العسكري في الضبط و الربط
مجبرة ابنتها على كل شيء ، أو قد تسلك أسلوب التساهل في كل أمر تاركة
لابنتها الحبل على غاربه وهي تدّعي أن ابنتها محلاً للثقة ، و ان اهتمت
فهي تهم بشكل جميل رائع لما تلبس ابنتها أو تأكل أو ما يخص تعليمها و
دراستها متجاهلة احتياجها العاطفي الأكثر أهمية من كل الاحتياجات .
و الذي يدفع بالفتاة بعيداً عن أمها باحثة عمن يشبع
فيها ذاك الاحتياج فتتخذه قدوة مقلدة إياه في كل يفعل دون وعي منها ولا
إدراك ، ليس يهمها فيه إلا أنه يمنحها العطف و الحنان بإهتمامه ..
ربما يراني البعض أبالغ عندما أعمم ذاك الشعور بالفراغ
العاطفي على هذه الفئة العمرية بما اخترته من مصطلحات و تسميات فقلت "
فتياتنا و الفتاة بين السن كذا و كذا " .
إلا أنني ما قصدت التعميم المطلق و إنما قصدت الأغلبية
العظمى التي تبني عليها قواعد الأحكام.
و الاثبات على أن هذه المشكلة ليست بالقضية المحدودة
النطاق و أنما هي ظاهرة أصبحت عامة تكشف عن وجودها واضحة للعيان في
أفضل الأماكن و أنسبها مناخاً .
إنها المدارس و الثانويات و المعاهد المتوسط فما أن
تتجول فيها عبر ممراتها سائلاً في غير التعليم والتعلم لوجدت الإتجاه
العاطفي لكل طالبة فيها إما نحو مدرّسة لها أو زميلة .. و الأمر قد
يكون طبعي في الوهلة الأولى إنما هذا التعلق الشديد الذي يتعدى حدود
الصداقة أو حدود العلاقة بين الطالبة و المعلمة يجعل من نفسه بعيداً
عن السواء و الصحة ، و كل هذا الذي تفعله الفتيات في هذا العمر هو
محاولة لا شعورية لملء فراغ لاتدرك وجوده علناً إنما هو باطناً فيها ..
إن هذه الفتاة وما تعانيه من فراغ عاطفي هي ضحية لنهج
التربية المتبع في مجتمعنا .
الأم فيه أبعد ما تكون عاطفياً عن ابنتها ..
فهلّ تكرمتي عزيزتي الأم ببعض وقت لبضع
" كلمات من الخاطر " .
ستبلغ ابنتك الثانية عشرة قريباً أو ربما تجاوزتها ببضع
سنوات حاوريها ناقشيها تقربي إليها إنها تحتاجك......
خصصي لها قليلاً من وقتك على انفراد ، تعودين فيه إلى
عمرٍ قريب من عمرها لتفكري معها كما تفكر وتخاطبينها بجمل و عبارات
كعباراتها لتستوعب ماتقولين و تدرك ما تقصدين ، كوني لها أقرب من
صديقتها إنها تحتاجك ....
احتويها بكل مساوئها و أخطاءها لأنها ما أخطأت إلا
لتتعلم و كما أخطأتي أنت يوماً امنحيها هذا الحق ، و إن وقفتي عند بعض
الأخطاء لاتشعريها بأنك تتهمينها أو تقاضينها ، بل أنت معها فقط
لتتعلم ،اسمعيها إنها تحتاجك ......
لا تكثري من اللوم ، لا تكثري من التوبيخ ، لا تقيسي
بالمسطرة كل ما تفعل و تقول ، لا ترغميها على تطبيق نتائج تجاربك أو
السير على خطاكِ فلا شك في أنك أكثر من يحبها ، و أكثر من يخاف عليها
إلا أنها شخصية مستقلة عنك ، وتفكيرٌ مستقل ، هي باختصار ليست أنت ، و
لن تكون نسخة عنك ، هي صورة آخرى لزمن آخر ..
عزيزتي الأم
لا ترفعي سوراً بينك و بينها ولا تحوّلي الاختلاف في و
جهات النظر لخلاف بينك وبينها ....و أفضل من أن تكبر بعيداً عنك ضميها
إليك لتكبر بين ذراعيك تقربي إليها إنها وإن لم تطلب تحتاجك ..
الأستاذة-
كريمة علي ..
|