في الصفاء غور ممتع في أعماق النفس البشرية بسوائها واضطرابها بصحتها ومرضها بأحزانها وأفراحها بتشاؤمها وتفاؤلها بإحباطاتها وتوافقاتها. رحلة … تبدأ ما قبل تكوين الجنين ، مرحلة خاصة في الحمل والولادة ، صفاء في الرضاعة ، اكتشاف وإحساس بالمعنى في الطفولة ، مفترق طرق في المراهقة ، استقرار واكتمال في الرشد … وصولاً إلى عالم المسنين قدوتنا في الحياة والدين.... أملاً في تحقيق نفس صافية مطمئنة تتفاعل فيها أسس ثـــــلاث الصدق مع الله عز وجل – الصدق مع الآخر – الصدق مع النفس  فاقبل على صفاء النفس وانهــل وابعث بأحلامك الليلية واستفســر  وفضفض " قليبك المليان " واستبشر

أخر تحديث الاثنين 30-04-2007

 

 

     سيكولوجيـــــة الكبــــــار :
                                                                الإنسان : النفس / الجسم
                                                                                                              د. صالح المهدي الحويج

        إن النشاط الإنساني بكافة جوانبه له أساس بيولوجي وفهم هذا النشاط يتطلب فهم هذا الأساس البيولوجي والذي لا ينكره أحداً من علماء النفس حتى وإن اختلفوا حول حجمه ومدى أهميته وأثره في السلوك .

     ذلك السلوك المتمثل في كل ما يصدر عن الفرد من استجابات تثيرها فيه مثيرات داخلية أوخارجية، سواء كانت هذه الاستجابات خارجية المظهر يمكن ملاحظتها كالسلوك الحركي ، أو داخلية لا يمكن في كثير من الأحيان ملاحظتها بشكل مباشر كالتذكر والفهم ، ولذلك سننطلق في مناقشتنا وتناولنا للصحة النفسية من فرضية عامة أساسية ألا وهي علاقة السلوك  الكلي المتكامل بوظائف الأعضاء البدنية المتنوعة والمتناغمة .

     وإذا ما عرفنا أن الظاهرة النفسية ظاهرة تتسم ببعدي المعنى والدلالة وأن الوظيفة الجسمية تقف عند حدود الأداء وليس المعنى فإننا مطالبين لكي نفهم الإنسان بشكل أكبر وأشمل أن نتناوله كلاً بيولوجياً ونفسياً يشمل مستوى الدلالة والمعنى ومستوى الوظيفة البيولوجية بتفاعلاتها الجزئية والكلية .

     والنشاط النفسي والنشاط البيولوجي ليسا نشاطين مستقلين منفصلين وإنما نشاطين في علاقة متبادلة ومتفاعلة ومتمفصلة يؤثر ويتأثر كلاهما بالآخر، فالأنشطة الفسيولوجية والكيميائية التي تجري داخل الجسم البشري تؤثر في سلوكه وتتأثر بما يطرأ عليه داخلياً وخارجياً .

      ولكي نفهم الأساس الفسيولوجي لأنواع السلوك المختلفة يجب علينا دراسة الجهاز العصبي بأجزائه المختلفة والجهاز الغدي والهرمونات التي يفرزها، ودراسة الأساس الكيميائي لنشاط المخ والجهاز العصبي وما يعتري العمليات الكيميائية والكهربائية والكهروكيميائية من تغيرات توثر في السلوك في سوائه ومرضه وتتأثر به .

     ولهذا سنركز على الإنسان بوصفه وحدة بيولوجية نفسية متماسكة متكاملة تستجيب لبيئتها الخارجية والداخلية بوسائل متنوعة ، فأنت أخي الكريم وأختي الفاضلة ، حين تفكر في موضوع معين أو تحاول تذكره يعتريك في نفس الوقت تغيرات جسمية وحالات وجدانية مختلفة كنشاط حواسك، تواترت عضلاتك إفرازات في غددك ، تغيرات في التنفس ودورة الدم وعملية الهضم ، ونشاط يختلف من فرد إلى آخر في التيارات الكهربية بالمخ والأنسجة والأعضاء المختلفة ، إضافة إلى تعبيرات وإيماءات وحركات وأوضاع جسمية خاصة سواء في الجلوس أم الوقوف أم المشي أو في النوم يتخذها كل إنسان أثناء تفكيره أو تذكره لأمر ما ، ولذلك فالتفكير يرتبط بكلام باطن وبنشاط حركي دقيق في أعضاء النطق والحنجرة واللسان والشفتين ، وبنشاط كهروكيميائي في مراكز الإبصار والسمع وغير ذلك من التأثيرات وكذلك الحال عند الحزن أو الخوف أو الغضب أو الفرح أو السعادة كلا تكون مصحوبة بمظاهر حسية فسيولوجية داخلية وخارجية تمس الجهاز العصبي والغدد والأعضاء والأنسجة والإنسان ككل .

     وكل مجالات الإنسان لا يمكن فهمها بمعزل عن بعضها ، لأن أي وظيفة نفسية ما لا تعتمد على جزء واحد في الجسم الإنساني بل على عدد من الوظائف التي تتكامل فيما بينها لتعطينا في النهاية الأداء السليم لهذه الوظيفة ، فعلى سبيل المثال فهمنا لكلمة " حنان " إن إدراك هذه الكلمة وفهمها يعتمد على أكثر من جزء فهي تمر أولاً على جهاز السمع إذا كانت مسموعة أو على جهاز الإبصار إذا كانت مكتوبة وهي تعتمد على سلامة الجهاز الذي ستمر فيه ، ثم بعد ذلك دور الأعصاب الموصلة للتنبيه الذي أحدثته هذه الكلمة مثل العصب السمعي أو العصب البصري، وما يصاحب هذا التوصيل من تغيرات كهروكيميائية تعتري العصب ليقوم بنقل التنبيه وأخيراً تصل إلى مراكز بعينها في المخ " مركز السمع أو الإبصار " حيث تتلقى هذه المراكز التنبيه فتحدث الإحساس ثم تشارك بعد ذلك مراكز أخرى خاصة بالفهم والإدراك لتعرف ماهية الكلمة التي استقبلناها حنان وهذا الفهم يعتمد على سابق خبرتنا " من هي حنان بالنسبة للمستقبـِل؟... هل هي "الأخت أم الأبنة أم الصديقة أم الحبيبة " أم الزميلة؟.... وما هي علاقتنا بها الآن؟... فإذا كانت زميلة هل هي زميلة محبوبة ومقبولة أم لا؟.. وهل هي متعاونة أم لا؟... هل هي عنيدة وأنانية أم متوافقة واجتماعية ؟ إلخ , هل الكلمة كمعنى للمشاعر والأحاسيس أم كإسم ذي دلالة أو لا؟ إلخ .

     وهو ما يعني الاستعانة بسابق خبرتنــا وعلى المخزون في ذاكرتنــا من معلومــات تضاهي كلمــة "حنان " بالخبرة السابقة سواء كانت خبرة سمعية أو بصرية، وهنا تحدث تغيرات كيميائية أخرى لاستدعاء المخزون الذي في ضوئه نستطيع فهم إدراك كلمة واحدة .. كحنان .. وصلت حواسنا واستقبلناها وإذا ما حدث أي اضطراب في الأجزاء السالفة الذكر فإن الإدراك كله سيضطرب.

     ولأن الجهاز العصبي هو المنسق العام للسلوك والمؤثر في افرازات الغدد الصماء والمحدد للحركة الكهروكيميائية داخل الإنسان والتي بدورها تؤثر وتتأثر بالسلوك وتحدد إلى حد كبير صحة الإنسان الجسمية والنفسية على السواء لذا سيكون تناولنا للجهاز العصبي بشقيه الإرادي واللإرادي لا بشكله التشريحي الوظيفي الصرف ولكن في علاقته بالسلوك الإنساني الداخلي والخارجي كتأثير وتأثر .

                                                                                                     الصفحة التالية    

 الصفحة الرئيسية

موقع الصفاء للصحة النفسية أشراف الدكتور صالح المهدي الحويج تصميم net218
الرئيسية ---- داخل الصفاء ---- مقالات وأبحاث ---- محاضرات أكاديمية ---- ترجمات ---- ملخصات بحثية ---- أتصل بنا ---- أقلام صحفية ---- نفحات دينية----صفحات أدبية ---- حوارات ---- تفسير الأحلام ---- استشارات نفسية ---- سجل الزوار