|
سيكولوجيـــــة الكبــــــار :
مدارسنا والإرشاد / الواقع والآمال
د. صالح المهدي الحويج
لا يكاد يخلو كتاب من الكتب التي ألفت في مجال التوجيه والإرشاد من الإشارة
إلى الإرشاد التربوي باعتباره أهم مجالات الإرشاد النفسي وتخصيص مساحات
كبيرة له تتناوله بالتعريف ، وتوضح الأسس التي يقوم عليها، وأساليبه
المختلفة ، وكل ما يتعلق به ، ولهذا لن أتطرق إلى هذه المواضيع، وسأحاول أن
أجيب على الأسئلة الآتية:
1-
هل تقدم في معاهد المعلمين وكليات التربية المناهج الخاصة بالتوجيه التربوي
والإرشـاد النفسي؟
2-
هل يمارس مدرسونا دورهم الإرشادي ؟
3-
هل هم قادرون على القيام بهذا الدور ؟
4-
هل يمثلون قدوة يحتذى بها عند تلاميذهم ؟
5-
هل يشرف على تسيير معاهدنا المتوسطة والعليا وجامعاتنا تربويين أم لا؟
تعتبر المدرسة المؤسسة التربوية التي أقامها المجتمع ، وسلم لها أعز وأغلى
ما يملك " أبناءه " وذلك لتقم بعملية التربية والتعليم ولها في ذلك توفير
الظروف المناسبة للنمو بجميع مظاهره الجسمية والعقلية والانفعالية
والاجتماعية ، إن دور المدرسة لا يتحدد بمجرد تعليم الأطفال القراءة
والكتابة وإنما يتعدى ذلك الدور التقليدي الجامد ليصل إلى تقديم الرعاية
النفسية للتلاميذ ومساعدتهم في التغلب على مشاكلهم المختلفة ، والتي تتزايد
في عصرنا الحالي
–
عصر القلق
–
عصر العولمة
–
عصر الفضائيات والمسلسلات المدبلجة .
فالمدرسة مسئولة عن النمو النفسي السوي والتنشئة الاجتماعية ومساعدة
المتعلم في رسم الخطط التربوية التي تتلاءم مع قدراته وحاجاته وميوله
للوصول إلى النجاح التعليمي والنجاح الاجتماعي مقدمة له كل ما يمكنه من
التكيف مع المجتمع وإعداد لحياة مستقبلية ، ومن هنا يلعب المدرس دوراً
هاماً في عملية التربية وفي رعاية النمو النفسي وتحقيق الصحة النفسية
للتلميذ ، فهو دائم التأثير في التلميذ منذ دخوله المدرسة حتى تخرجه وهو
موجه سلوك يصحح سلوك التلميذ إلى الأفضل عن طريق وضعه في خبرات سلوكية سوية
. ومن هذا أصبح على المدرس أن يمارس دوره الإرشادي وأن يساعد تلاميذه في
التغلب على المشاكل التي تواجههم والتي من بينها :
- مشكلة
التأخر الدراسي
–
مشكلة الهروب من المدرسة
–
كراهية بعض المواد الدراسية
–
مشكلة الغياب وغيرها من المشاكل التي تواجه التلاميذ في مدارسنا ، ومن هنا
يجب أن نتساءل :
هل يمارس
مدرسونا دورهم الإرشادي ؟ وهل هم قادرون على أداء هذا الدور ؟
من
المسلم به أن الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى دراسة ولكنني هنا أردت فقط
أن أجيب على هذا التساؤل بصفتي فرداً داخل المجتمع ألاحظ ما يحدث داخل
مدارسنا من إهمال وتقصير في جميع الجوانب ، وان كل ما أذكره لا يتعدى كونه
رأي شخصي قد يكون صائباً وقد يكون مبالغاً فيه، وللإجابة على هذا السؤال
سوف أقتبس أولاً بعض الأسطر من كتاب التوجيه والإرشاد النفسي للدكتور حامد
زهران : ( يقدم المدرس المرشد خدمات هامة حين يكون نموذجاً سلوكياً
متوافقاً ومعلماً لمهارات التوافق ، يعلم العلم ويوجه النمو ويسهم في عملية
الإرشاد بقدر ما يستطيع ويحيل مالا يستطيع إلى الأخصائيين ) .
في
حقيقة الأمر قليلون هم المدرسون الذين يهتمون بدورهم الإرشادي، والبعض منهم
لا يكلفون أنفسهم السؤال عن أحوال تلاميذهم ، ومعرفة سبب غيابهم ، أو سوء
تحصيلهم ، أو معرفة مشاكلهم الأسرية ، أو أسباب كرههم لمادة دراسية معينة
.. إلخ والبعض منهم لا يتذكر أسماء طلبته وعلاقته بهم لا تخرج عن مدهم
بالمواد " المنهج المقرر " وتقييمهم بالامتحان .
وكما يقال إذا عرف السبب بطل العجب ، فالمدرس لا يأتي إلى المدرسة إلا
عندما يحين موعد حصته التعليمية ، وأحياناً يأتي مهرولاً حتى يلحق بالموعد،
ويحرص على مغادرة المدرسة عند انتهاء حصصه الدراسية ، والبعض منهم يشترط
بأنه يريد الحصة الأولى
ـــ
لأنها لا تتعـارض مع موعد فتح المحل ــــ، والآخر يريد حصته بعد الاستراحة
ـــ لأنه مرتبط في الصباح بنقل الطلبة إلى مدارسهم أو العمال لجهة أعمالهم
ـــ
…
إلخ .
من
هنا نجد أن المدرس الذي تثقل كاهله هذه الأعباء ، ليس بحاجة إلى زيادة
معاناته بمعاناة غيره، خاصة وإن الإرشاد والتوجيه يحتاج إلى علاقات إنسانية
بين التلميذ وبين من يرشده .
يعتبر المدرس القدوة الحسنة لتلاميذه ، فهم يقلدون سلوكه وتصرفاته وأخلاقه
والتزامه وجديته في العمل ، فالإمام الغزالي يرى أن مثل المعلم المرشد من
التلاميذ مثل الظل من العود ومتى استوى الظل والعود أعوج .
إن
معظم المعلمين حالياً قد لا يصلحون بأن يكونوا قدوة حسنة لتلاميذهم،
وبالتالي لا يصلحون لأداء دورهم الإرشادي ، وهم في حاجة إلى الإرشاد
والتوجيه أكثر من تلاميذهم ، فكيف يتقبل التلميذ النصح والإرشاد من مدرسه
وهو يجده في مواقف كان من المفترض أن لا يكون فيها ، وهذه المواقف تقلل من
هيبة المعلم وتهز صورته في نفوس تلاميذه ، المعلم الذي قيل فيه يوماً "قف
للمعلم ووفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولاً " فكيف ينظر التلميذ إلى
مدرسه وقد ركب معه في سيارته التي يستعملها كسيارة أجرة ليوصله إلى وسط
المدينة وعندما يصل يدفع إليه التلميذ أجرته ، وطالب آخر يشاهد معلمه يرقص
بحلقة الزكرة في أحد الأعراس ، وآخر يلقي على تلاميذه محاضرة كل يوم يوضح
لهم فيها أن مهنة التدريس لم يعد لها مكانة ، وأن هذا العصر عصر المادة ولا
وجود للقيم والأخلاق .
الصفحة التالية
|